
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكاً ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحُمُر؛ فعليكم بالجهاد، وإنّ أفضل جهادكم الرباط، وإنّ أفضل رباطكم عسقلان) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.
إن هذا الحديث من دلائل نبوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، لأنه أخبر فيه عن أمور غيبية لم تكن وقعت، بل ولا يمكن توقعها بهذا الترتيب الذي ورد في الحديث، فقد بيّن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المراحل التي ستمر بها الدعوة الإسلامية خلال مسيرتها، منذ نزول رسالة النبوّة على الرسول – صلى الله عليه وسلم – إلى وقتنا الحاضر، وقد تتابعت هذه المراحل – عموماً – كما أخبر عنها النبي – صلى الله عليه وسلم – بالترتيب الذي ورد في الحديث، فانتقلت من مرحلة النبوة، إلى الخلافة الراشدة، إلى النظام الملكي في دولة إسلامية واحدة جامعة، ثم تشرذمت الأمة الإسلامية إلى إمارات متفرقة، ولكنّ هذه المراحل السابقة مع ذلك كان فيها رحمة للأمة، لأن المرجعية فيها – عموماً – كانت للشريعة الإسلامية، ثم انتقلت الأمة الإسلامية – بعد ذلك – إلى مرحلة الضعف والوهن، فزاد تشرذم الأمة إلى دويلات وإمارات، باختلاف مسمياتها، وأبعدت فيها الشريعة الإسلامية عن القيادة والتوجيه إلا في جوانب ضيقة كالأحوال الشخصية، وصار ولاء هذه الدويلات عموماً إلى أعداء الإسلام.
إنّ هذا الحديث يكشف لنا أن الأمة الإسلامية تعيش اليوم في مرحلة تكادم الحُمُر على هذا الدّين، وعلى من يحمون رايته ويرفعون لواءه، وهذا الوصف من النبي – صلى الله عليه وسلم- له دلالات:
فتكادم الحمر معناه: من الكدم: “والكدم هو تمشمش العظم وتعرقه، والتمشمش هو كسر العظم وسحب ما فيه من المخ، وتعرّق العظم هو أكل ما عليه من اللحم نهشاً بالأسنان، وكذلك أثر الضرب بحديدة، والقبض على الشيء وعضّه، وتكادم الحُمُر: العضّ بأدنى الفم حتى ينكسر المعضوض، والرجل المُكدّم هو الذي لقي قتالاً شديداً فأثرت فيه الجراح” لسان العرب، 12/509، ومن هذه المعاني نستخلص أن تكادم الحُمُر – في الحديث – يحمل صورتين: الصورة الأولى وهي الإيذاء والإيلام الشديدين مع الجراح والكلوم والإصابات، والصورة الثانية هي الأكل من جسد هذه الأمة، بسلب خيراتها ومقدراتها واغتصاب أرضها، كما بيّن ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث آخر، حيث قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين على من ناوأهم، وهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قلنا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس) رواه الطبراني، والحديث حسن بشواهده كما في موسوعة بيت المقدس وبلاد الشام، وكما في الحديث الآخر: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة، وكراهية الموت) رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني، فهذه الأحاديث تبرز لنا صورة الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وهجمة الأعداء العنيفة على هذا الدين وحملته ممن يرفعون لواءه بحق، ويرفضون أن يكونوا فريسة سهلة، كالقصعة بين الأكلة، كلهم يريد أخذ ما فيها من خير، حتى يكسروا شوكة هذا الدين، ويستنزفون خيرات أمته، وينهشون ما فيه من عناصر القوة والمنعة، ليصبح تدّين أهله ضعيفاً لا يقوى على الدفاع عن حياض الدين، ولا حماية بيضته وأرضه.
إنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – يبيّن للمسلمين الواجب المنوط بهم في هذه المرحلة خاصة – مرحلة تكادم الحُمُر – وهو رفع راية الجهاد، وعدم الانشغال عنها بأي أمر آخر، فلا يمكن في هذه المرحلة صدّ المتكادمين إلا بالجهاد، فانشغال المسلمين في هذه المرحلة بالجوانب المادية الدنيوية في الاقتصاد والسياسة والعلوم وغيرها لن يحمي الأمة إذا تركت الجهاد، وستكون أرضها وخيراتها منهوشة ومأكولة، بل إنه صلى الله عليه وسلم – يرشدنا إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله – تعالى – قبل كل شيء، (فعليكم بالجهاد)، وإن الذي مكّن المتكادمين من رقبة هذه الأمة ونهش عظامها هو انشغالها عن الجهاد بأمور الدنيا.
وبما أن الأمة اليوم متشرذمة، وقواها مشتتة، وطاقاتها مستنزفة ضائعة في العموم، فإن المطلوب ممن يحملون لواء هذا الدين، ويرفعون راية الجهاد في سبيل الله – تعالى – أن يثبتوا على أرضهم يدافعون عنها ويحمون ثغورها قدر استطاعتهم، حتى لو أدى ذلك إلى ارتقاء الشهداء وبتر الأعضاء وسفك الدماء وكثرة الجراح والآلام، وتدمير كل مناحي الحياة الإنسانية، فهذا الثبات والصمود على الأرض، وعدم التفريط فيها، وعدم السماح للمتكادمين من الاستيلاء عليها وتفريغها من أهلها، هو أعلى منازل الجهاد في هذه المرحلة، (وإن أفضل جهادكم الرباط).
وإذا كانت أكناف بيت المقدس، وجوهرتها فلسطين، وفي القلب منها غزة، هذه البقعة الصغيرة المباركة من الأرض، هي التي ما زالت ترفع راية الجهاد، وتقف على رأس من يحملون لواءه، في وجه قوى التكادم والاستكبار العالمي على هذا الدين، رغم المناوأة واللأواء من الأعداء، والمخالفة والخذلان من الأقرباء، بدلالة قوله – صلى الله عليه وسلم -: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس) رواه أحمد والطبراني، وقال الهيثمي عن رواية الطبراني: رجاله ثقات، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – يرشدنا إلى أفضل مراحل الارتقاء في مواجهة المتكادمين، ابتداء من مرحلة الجهاد، الدائرة الأوسع للمواجهة، ثم دائرة التفضيل الأضيق، وهي الرباط والثبات وحماية الأرض، ثم الدائرة الأضيق، وهذه دائرة الاصطفاء والتكريم، التي يمنّ الله – تعالى – بها على من يشاء من عباده، وهي الرباط في غزة (وإن أفضل رباطكم عسقلان)، وهذا التفضيل الرباني للمجاهدين والمرابطين على ثغر فلسطين عامة، وغزة خاصة، والذي أخبرنا به النّبي – صلى الله عليه وسلم – له أسبابه، التي يمكن استقراء بعضها:
- إنها طائفة لا تزال وستبقى متمسكة بالدين والحق، فلم تنحرف عن دينها وعقيدتها، ولم تتنازل عن حقوقها.
- إنها الثغر الأخير، والسد المنيع الذي يقف في وجه مخططات أعداء الإسلام من المتكادمين والمتآمرين، ومن يقف خلفهم من قوى الظلم والبغي العالمي.
- إنها الطائفة الباقية – كجماعة وليس كأفراد – التي لم تركن إلى الدنيا، وما زالت تعدّ وتخطط وتعمل وتجاهد وتقتحم، فلم تركن ولم تخضع ولم تسالم.
- إنها الطائفة التي دفعت وما زالت تدفع من قادتها وأبنائها وأهلها ودمائها وبيوتها وأموالها وحياتها وراحتها، ثمناً باهظاً من أجل دينها ومقدساتها وأرضها، وعزة هذه الأمة وكرامتها.
- إن هذه الفئة المؤمنة هي التي ستكون على يديها– إن شاء الله – نهاية مرحلة التكادم، ويتحقق بجهادها وتضحياتها وعد الآخرة؛ بإساءة وجوه المحتلين، وتتبير جهود المتآمرين وعلوهم وغطرستهم.
تصنيفات : قضايا و مقالات