فقه المقاومة الشعبية بين جهاد الطلب وجهاد الدفع، د. يونس أكرم الجعبري
ديسمبر 5, 2024
للمشاركة :

         تأسست النظرية الفقهية في فقه الجهاد على تقسيم القتال في سبيل الله تعالى إلى قسمين رئيسين، هما: جهاد الطلب الذي نطلب فيه العدو في أرضه، وجهاد الدفع وهو الذي نتصدى فيه للعدو المهاجم لأرض المسلمين، وبنى الفقهاء بناء على ذلك عامة المسائل الفقهية المرتبطة بهذه الفريضة العظيمة، ألا وهي الجهاد في سبيل الله تعالى. والسؤال المطروح هنا حول الفقه الملائم لحالة المقاومة الشعبية التي يخضوها أبطال هذه الأمة في بيت المقدس عموما وفي غزة خصوصا، مع الأخذ بعين الاعتبار التضحيات الهائلة في الأرواح والممتلكات في ظل هذا العدوان الذي طال أمده وعظمت خسائره.

         إن المتأمل في حالة المقاومة الشعبية يجد أنها قطعا تنتمي إلى فقه جهاد الدفع، فالمعيار الأساسي الذي فرق به الفقهاء بين هذين النوعين من الجهاد هو وجود العدو في أرض المسلمين أو خارجها، وبناء على ذلك فإن المقاومة الشعبية داخلة في جهاد الدفع، الذي نص العلماء على جملة من أحكامها على يجمع أكثرها قولنا: إن جهاد الدفع المتمثل في دفع العدو لا تشترط فيه الشروط الكثيرة الموجودة في جهاد الطلب، وعلى رأسها القوة المكافئة للعدو؛ لأن هذه القوة في جهاد الطلب معقولة المعنى؛ فهذا النوع من الجهاد يريد تحصيل منافع للمسلمين بفتح بلاد جديدة لهم، ولا شك أن محاولة تحصيلها مع عدم الاستطاعة بفقد القوة على ذلك سيؤدي إلى ضرر للمسلمين بتعريض أنفسهم للموت، أما جهاد الدفع فإنه لم يُشترط فيه هذا الشرط؛ لأن الضرر حاصل والجهاد يدفعه، وترك القتال سيزيد من قوة العدو وقدرته على أذية المسلمين.

المقاومة الشعبية اليوم تؤدي فريضة جهاد الدفع بلا إمام مسلم ولا دولة إسلامية يلوذون إليها أو يحتمون بها؛ فالمقاومة الشعبية ليس لها من تلوذ إليه إلا شعبها، بل هي في حقيقتها مقاومة من الشعوب لا من الجيوش النظامية، فاسمها دال على حقيقتها وطبيعتها، وعليه فإن ما يقال حول احتماء المقاومين بالأهالي والسكان هو أمر يدل على أن قائله لا يفهم طبيعة هذه المقاومة، فهؤلاء أصلا ليسوا جيوشا نظامية لنلزمهم بالوجود في معسكراتهم، وهذا جهاد دفع لا جهاد طلب، فهو جهاد من أرض المسلمين، مما يعني تعرضهم للخسائر في الأرواح والممتلكات لا بسبب الجهاد ولكن بسبب نزول العدو في أرض المسلمين.

الشرع طلب من المؤمن الذي دخل العدو أرضه أن يقاتله، وهذا النوع من القتال أثمانه باهظة، وتكلفته مرتفعة، ولا يمنع ذلك المؤمن عن القيام بواجبه، وإن كان يستطيع أن يتحرى تجنيب غير المقاتلين من النساء والأطفال وكبار السن أخطار ذلك فيجب عليه ذلك، أما أن يكون مقابل ذلك أن يترك الجهاد الواجب عليه، فلم يقل أحد بهذا.

ثم إن المقاومة الشعبية تمارس أحيانا بعض خطط جهاد الطلب ظاهريا، بإغارتها على معسكرات العدو ومدنه التي أقامها على أرضنا المحتلة، وبالتالي يتوهم البعض أن هذا أخرجها عن كونها جهاد دفع، وهذا لا يصح، فالمعيار الفقهي واضح بالتمييز بين هذا وذلك لا بالخطط العسكرية أو ظواهر الأمور، بل بوجود العدو في أرضنا من عدم ذلك.

ومن جهة أخرى، فقد نص الفقهاء على أن جهاد الطلب فرض كفاية، أما جهاد الدفع فهو فرض عين على الجميع بما يستطيعون، وعدم القيام بهذا الواجب هو سبب ضعفنا وكثرة الموت فينا، لأننا بذلك نخالف الأمر النبوي، حيث قال صلى الله عليه وسلم:”.. ثم ‌يتكادمون عليه تكادم الحمر، فعليكم بالجهاد”، لذلك فإن المقاومة الشعبية ليست هي المسؤولة عن هذا العدد الضخم من الضحايا، لأنها تقوم بواجبها الشرعي، ولكن سبب هذه الخسائر العظيمة هو ترك الأمة لهذا الواجب، وخصوصا أن جل أهل فلسطين على خير ما هم فيه من رباط إلا أنّهم مقصرون في واجب الجهاد، عدا عن تقصير الأمة كلّها وخصوصا بلاد الطوق حول بيت المقدس.

خلاصة القوم، إن المقاومة الشعبية هي المظهر المعاصر لجهاد الدفع، فهي واجبة وجوبا عينيا، والواجب على الجميع الالتحاق بها، والتخلف عنها مآلاته أسوأ من أثمانها وتضحياتها، ووجودها بين الناس هو جزء من قدرتها على المناورة وحماية نفسها لطبيعة هذا النوع من القتال، فمن يطلب جهاد دفع ومقاومة شعبية بلا تكاليف، كمن يطلب حجّا بلا تعب، وصلاة بلا قيام، وصوما بلا جوع، والقاعدة الفقهية أن المشقة المعتادة لا تسقط التكليف.

تصنيفات :