
قال الله عزل وجل: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا). سورة النساء، آية: 122.
الحمد والثناء لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:
ونحن نعيش في ظروف صعبة بلغ فيها الطغيان مداه، وزاد الظلم على الأبرياء حتى ضعف اليقين على وعد الله بالنصر عند بعض الناس… فكان السؤال الأهم: هل سيتحقق وعد الله؟
والجواب: حتماً سيتحقق وعد الله، وهذا يقين المؤمنين الصادقين بأن الله سيصدق وعده وسيعز جنده… ففي آيات كثيرة يقول الحق عزل وجل فيها عن وعده (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ). [الذاريات:5].
وفي آية أخرى (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ). [المرسلات:7] وبما أن الله عزل وجل وعد عباده فحتماً سيتحقق الوعد.. لكن متى؟ وكيف؟ هذا ليس من شأن العبيد بل يتعلق بعلم الله عزل وجل وحكمته وقدرته وتدبيره، وعلى أهل الإيمان في اللحظات الصعبة التسليم بقضاء الله عزل وجل، وأن يبقوا على العهد والوعد ما استطاعوا، وألا يحيدوا عن طريق الحق والرشاد.
فبتسليمهم بقضاء الله عزل وجل وبإيمانهم بحكمته فـ(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ). [الأعراف: 56]، لذلك قال الله عزل وجل في آية أخرى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ). [النور:55] فالاستخلاف والتمكين يأتي بعد البذل والصمود على طريق الاستقامة، والإيمان والأعمال الصالحة وترك الشرك هي مؤهلات تجعل عباد الله من أهل الاستحقاق لوعد الله عزل وجل.
وفي آية أخرى سلوى للقلوب التائهة والعقول الحائرة مما يجري من أحداث جسيمة لم يسجل مثلها التاريخ المعاصر، وهي قول الله عزل وجل 🙁 إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). [غافر:51]، فإن الله تعالى يخبرنا أن النصر نصران:
النصر الأول: في الحياة الدنيا كنصر الله عزل وجل لنبيه إبراهيم عليه السلام ولنبيه موسى عليه السلام ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولكثير من الأنبياء والخلفاء والأصفياء، وهذا نصر بذلوا أسبابه الإيمانية والمادية فأنجز الله عزل وجل وعده لهم في الدنيا.
أما النصر الثاني: فقد يبذل الإنسان المؤمن أسبابه الإيمانية والمادية، ولكن لا يتحقق النصر له في الدنيا، وذلك لغاية وحكمة استأثر الله بعلمها عنده فيكون قد ادخر لهم أجرهم يوم يقوم الأشهاد. فمثلاً أصحاب الأخدود طغوا في البلاد وزعم ملكهم أنه إله من دون الله وأنه الفعال في الكون، فلما انكسر أمام إيمان الفتى وأسلم الناس لرب العالمين، حفر لهم الأخاديد وأوقد لهم النار؛ فلم يكن لأهل الإيمان خيار أمام هذا الملك الطاغية إلا أن يُلقوا بأنفسهم في النار في الوقت الذي انقطع النصير والظهير، فبذلك يكون نصرهم يوم يقوم الأشهاد.
وكذلك نبي الله عزل وجل يحيى عليه السلام الذي قتله ذلك الملك الظالم ظلماً سيكون نصره يوم يقوم الأشهاد.
وفي قصة ماشطة ابنة فرعون التي لم تُسلِّم إيمانها لأكبر طاغية عرفه التاريخ (فرعون)، بل سلمت أمرها لربها واستسلمت لحكمه، فما كان من ذاك الطاغية إلا أن صنع لها عجلاً جسداً من نحاس وأشعل تحته النار حتى أصبح جمراً حارقاً، فألقى صغارها واحداً تلو الآخر فلم تجزع ولم تسلم وهي تقول: “الله ربي وربكم” حتى ألقاها هي وصغيرها… فسيكون نصرها وأولادها يوم يقوم الأشهاد.
وما حدث لآل ياسر والدعوة في بدايتها وأهل الإيمان قلة مستضعفة في الأرض، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم لكنه وعدهم بالجنة قائلاً: ” صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة”… فسيكون نصرهم يوم يقوم الأشهاد.
فكان انتصار للحم والدم والأشلاء على ظلم وقهر الأعداء، فما يجدون عند شهادتهم من مس الموت إلا كما يجد الإنسان مس القرصة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل كرامة للشهداء عند ربهم عزل وجل.
فلا تجزع لما يحدث من ظلم وقهر وقتل ودمار للصغار والكبار والنساء فإن وعد الله حق، ومن أوفى بعهده من الله؟!
فهم ممن يكون نصرهم يوم يقوم الأشهاد والله لن يترهم أعمالهم، فهم في ضيافة الملك الذي لا تضيع عنده الحقوق وإن لم يتحقق العدل في محاكم الدنيا فحتماً سيتحقق في محكمة قاضيها ملك الملوك عزل وجل، التي شعارها: (لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). [غافر: 17].
تصنيفات : قضايا و مقالات