في ظلال آيات من سورة الإسراء (بر الوالدين)، د. إبراهيم فضل الشيخ
ديسمبر 5, 2024
للمشاركة :

        الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين محمد صل الله عليه وسلم؛

      إن الآباء والأمهات هم سر وجود الأبناء، وهم يبذلون كل ما يستطيعون لكي يكون أبناؤهم أفضل الناس، وكما يقال: “لا أحد يحب أن يعلو عليه أحد كما يريد الوالدان”، ولذلك نرى أن هذا الموضوع أتى في ترتيبه وأهميته في شريعتنا الغراء مرتبطا في مرات عديدة بالتوحيد، قال تعالى:  ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾([1])، قال القرطبي: “وقرن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأولى من عند الله، والنشء الثاني- وهو التربية- من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره”([2]) وجعله سببًا لدخول الجنة أو النار، لا بل سببا قاطعا في غضب الله؛ فرِضا اللهِ في رِضا الوالدَيْنِ، أي: إرضاءُ الوالديْنِ سَبيلٌ لرِضا اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فيَعْفو ويَغْفِرُ له؛ وذلك بالإحْسانِ إليهما، والقيامِ بِخْدِمَتِهما، وتَرْكِ عُقُوقِهما، حتى يَرْضَيا عن ابنِهِما، شَريطةَ أنْ تكونَ الطاعَةُ التي يتحصَّلُ بها الابنُ على رِضا الوالدَيْنِ فيما يُرْضي اللهَ عزَّ وجلَّ لا فيما يُسخِطُه؛ وهذا الإرضاء-في حقيقته- عبادة؛ لأنَّه لا طاعَةَ لمَخْلوقٍ في مَعْصيَةِ الخالِقِ؛ قال تَعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}[3]، وسَخَطُ اللهِ في سَخَطِ الوالدَيْنِ، وحقُّ الوالدَيْنِ يأتي بعدَ حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ؛ كما قال تَعالَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}[4]، وشكر الوالدين يكون ببرّهما على تربيتهما، ورعايتهما للأولاد حال صغرهم([5]). ومن الشكر أيضًا النفقة عليهما حال حاجتهما، وذكر الإمام الكاساني أنّ قوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ يدل على وجوب قضاء حوائج الوالدين، وإدرار النفقة عليهما حال عجزهما وحاجتهما، لأنّه من باب شكر النعمة فكان واجبًا([6]).

عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْكَبَائِرُ؟ قَالَ:” الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ”. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ:” ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ”[7]، فعقوق الوالدين معدود من أكبر الكبائر في هذا الحديث، ولا شك في عظم مفسدته لعظم حق الوالدين إلا أن ضبط الواجب من الطاعة لهما والمحرم من العقوق لهما فيه عسر، ورتب العقوق مختلفة[8]، منها المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله: ولا تنهرهما، المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليها، أما قوله:” وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً” أي: حسنًا جميلًا لينًا، فهذه الآية من باب الاستدلال بالملزوم على اللازم والأدنى على الأعلى، فالتأفيف أقل شيء يعق به، والمراد من ذلك المنع من إظهار الضجر القليل، والكثير، فالمنع من التأفيف يدل على المنع من النهر بطريق الأولى.

ومن برّ الوالدين النفقة على الوالدين، والقيام على حاجتهما، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (يدُ المُعطِي العُليَا ، وابدَأْ بِمَن تَعُولُ : أمَّكَ وأبَاكَ ، وأختَكَ وأخَاكَ، ثَّم أدنَاكَ أدنَاكَ)[9]، ففي هذا الحديث توجيه إلى حقّ الوالدين في تقديم العون لهما عند حاجتهما، واليد العليا هي المنفقة والوالدين خير من يبدأ المرء بإعالتهما والإنفاق عليهما[10]، وقال رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ »[11].

 فيا عجبي من يتلذذ بالنعم وأبواه يعيشان كفاف الحياة، ولا يجدان ما يكفيهما، أو ينامان وهما يفكران في حوائجهما، وثمن أدويتهما، (وفواتير) الكهرباء والماء، ويا عجبي كيف لابن كان أبوه يعاني من حر الصيف، وبرد الشتاء، ويبس الخريف، وأمّ تعمل ليلًا نهارًا على خدمة ابنها، تسهر في مرضه، تأتي له بالطعام والشراب في دراستهم، وربما ساعدته فيها، وغفت وهي جالسة لينهي امتحانه، وآثارا ابنهما على نفسيهما في ملبسهما، وطعامهما، وراحتهما، فلما اشتد عوده رماهما، أو منن عليهما بوقته، وماله، وزيارته.

   إنّ عقوق الوالدين والبرّ بهما لا يقتصر على حياتهما، بل يُمكن أن يكون بعد مماتهما أيضًا؛ فعلى المرء أن يحرص على الدعاء لهما بالخير والرحمة بعد وفاتهما، وأن يتصدق عنهما، ويصل رحمهما، ويقضي عنهما دينهما، وهذا كلّه برٌ بهما، وفي المقابل من الممكن أن يفعل عكس ذلك بعد وفاتهما ويكون بذلك عاقًا لهما، لذا فإنّ البر والعقوق وجهان مختلفان في حياة الأبناء، فاحرصوا على أن تكون من فئة الأبناء البارّين الذين يسعون إلى رضا الله تعالى وكسب الدنيا والآخرة، وينعمون بالرزق والبركة في حياتهم، واحذروا كلّ الحذر من عقوق الوالدين فعاقبته وخيمة، ولا يوجد في الحياة أجمل من رضا الله ورضا الوالدين.


[1].  سورة البقرة: (83).

[2] . القرطبي، تفسير القرطبي، 2/12.

[3]. سورة لقمان: (15)

[4].  سورة لقمان: 14

[5].الطبري، محمد بن جرير بن غالب الآملي، أبو جعفر (المتوفى: 310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، 20/138، تح: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1420هـ – 2000م.

[6]. الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 4/30.

[7] . صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة.

[8] . ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، ص274.

[9] . الترمذي، أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، سنن النسائي الكبرى، كتاب: الزكاة، باب: أيتهما اليد العليا، رقم الحديث: (2311)، 2/33، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ، 1411 هـ- 1991م، قال الألباني: حديث حسن صحيح، الألباني، محمد ناصر الدين، صحيح الترغيب والترهيب، 2/201، مكتبة المعارف، دون تحقيق، الرياض، الطبعة: الخامسة، دون تاريخ.

[10] . الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، 7/84، تح: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، الطبعة: الأولى، 1413هـ – 1993م.

[11] . أبو داود، سنن، كتاب الإجارة، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، ص: 3/312، رقم الحديث: (3530). صححه الألباني، انظر، الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته (الفتح الكبير)، 1/440، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة : الثالثة، 1408هـ – 1988م.

تصنيفات :