مجالس النّبي صلى الله عليه وسلم المقدسية، د. زهران عمر زهران
ديسمبر 5, 2024
للمشاركة :

تناقلت كتب السنّة الحديث عن عشرات المجالس المقدسية، التي عقدها النّبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، في فترة دعوته المكية والمدنية، فمثلاً حادثة الإسراء والمعراج وحدها نُقلت عن أكثر من ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

فالحديث عن فضل هذه الأرض وبركتها وقدسيتها لازم النّبي صلى الله عليه وسلم في كلّ حياته.

لم يستطع النّبي صلى الله عليه وسلم أنْ يبقي هذه المشاعر الجياشة حبيسة قلبه، وأن يعتزل الحديث عن تلك الأرض المقدسة المحتلة في زمانه، فحدّث عنها بكل قوة.

فالنّبي صلى الله عليه وسلم أحبّ الأرض المباركة –فلسطين- أحبّها وتعلق بها تعلقاً ظاهراً، فكان حديثه عنها حديث محبّ ومشتاق ومستشعر لما يحلّ بها، والنّاظر في مجالس النّبي صلى الله عليه وسلم المقدسية يتعلم منها دروساً كثيرة، ففيها منهجية واضحة خطها النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أنْ يغرسها في قلوب أصحابه رضوان الله عليهم، وقلوب أتباعه إلى قيام الساعة.

هذه المنهجية تنطلق من حبّ الأرض المباركة فحبّها عقيدة، فالأقصى آية في كتاب الله تعالى، وتمضي هذه المنهجية في نشر فضائلها في كل مكان وتحت كل الظروف، لتصل في نهاية الطريق إلى المحافظة عليها والدفاع عنها لتبقى شامخة عزيزة بعزّ الإسلام.  

من المجالس المقدسية الماتعة التي عقدها النّبي صلى الله عليه وسلم ما نقله أبو ذر الغفاري رضي الله عنه … اقرأ الحديث بهدوء!

وقف أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، فسأل عَن الصَّلاةِ في بَيتِ المقدِسِ أفضلُ أو في مسجِدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ؟ فَقالَ صلى الله عليه وسلم: صلاةٌ في مسجِدي هذا، أفضلُ من أربعِ صلواتٍ فيهِ، ولنِعْمَ المصلَّى هوَ أرضُ المَحشرِ والمنشَرِ، وليأتيَنَّ على النَّاسِ زمانٌ ولقَيْدُ سَوطِ أو قال: قوسِ الرَّجلِ حَيثُ يرى مِنهُ بيتَ المقدسِ؛ خيرٌ لهُ أو أحبَّ إليه مِنَ الدُّنيا جميعًا”.

أعد القراءة بهدوء مع التشكيل (وَلَنِعْمَ المُصَلى هُو) يا الله! كم تحمل هذه الكلمات النّبوية من الحبّ لتلك الأرض.

قبل أن نبتعد عن هذا الحديث أنظر في طرفه: (ولقَيْدُ سَوطِ، أو قال: قوسِ الرَّجلِ حَيثُ يرى مِنهُ بيتَ المقدسِ؛ خيرٌ لهُ أو أحبَّ إليه مِنَ الدُّنيا جميعًا)، أي: إنّ موضع السوط الذي يُرى منه بيت المقدس أحبّ من الدنيا جميعاً، فهنيئا لكم يا من قدّر الله تعالى لكم شرف الجوار لتلك الأرض المباركة والرباط فيها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

لم يكتف النّبي صلى الله عليه وسلم وهو يخط منهجية لأصحابه وأتباعه فقط بالحديث عن شوقه لتلك الأرض وحبّه لها وبيان فضلها بل تحرك باتجاهها وحرّك أصحابه، فها هو صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك في غزوة العسرة (سنة: 9ه) التي كانت باتجاه الشام، يجلس مع أصحابه يحدثهم ويناقشهم كما هي عادته، لكن هنا في هذا المجلس كان يحدثهم وهو يتنسم العبير القادم من تلك الأرض المباركة، تلك النسائم التي تحمل في ثناياها البشائر بالفتح القريب، فيعُدّ لأصحابه ستاً بين يدي الساعة كما عند الإمام البخاري في صحيحه من حديث مالك بن عوف رضي الله عنه، ويقول: “مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بيْنَكُمْ وبيْنَ بَنِي الأصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا”.

ويختم النّبي صلى الله عليه وسلم حياته بعظيم الوصايا والأعمال، منها قوله لأصحابه: أنفذوا بعث أسامة، أنفذوا بعث أسامة … كلمات دوى صداها في قلوب الصادقين من الصحابة الكرام الميامين تكللت بفتح البيت المقدس في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فحبّ هذه الأرض المقدسة، والحديث عن فضائلها تحت كل الظروف وكلما كانت الظروف أشد كان واجب الحديث أعظم، والدفاع عنها هي خريطة الطريق التي رسمها النّبي صلى الله عليه وسلم من خلال مجالس المقدسية.

والحمد لله ربّ العالمين. 

تصنيفات :