مفهوم القوامة بين الأحكام الشرعية والقوانين الوضعية، د. منال قزاز
ديسمبر 5, 2024
للمشاركة :

ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من الدَّعوات والمناشدات والمحاولات الَّتي يقصد منها تغريب معنى القوامة بحرفه عن مقصود الشَّريعة الإسلاميَّة منه، وإظهاره على أنَّه ظلم وإجحاف في حقِّ المرأة والأسرة، بعدم مساواتهما في بعض الأمور الَّتي راعى فيها الشَّرع الإسلاميُّ الفوارق والاختلاف بين المرأة والرَّجل في الخصائص والبنية والتَّكوين.

وقد خلق الله – سبحانه- الرَّجل والمرأة وكرَّمهما ورفع شأنهما بين الخلائق، وربط بينهما بروابط مختلفة كرابطة الدَّمِّ والقرابة، ورابطة النَّسب والمصاهرة، وساوى بينهما في أصل الخلقة والتَّكوين، وساوى بينهما في العمل والجزاء والأجر والمثوبة، وساوى بينهما في الإنسانيَّة، وجعل النِّساء شقائق الرِّجال.

 قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاس اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ ﴾. سورة النِّساء، الآية 1.

ولم تكن يومًا إشكاليَّة فيمن يحكم الآخر، ولا من يسيطر على الآخر ويلغيه، وحين خلق الله الرَّجل وجعل له القوامة، كانت المرأة إحدى مسؤوليَّاته لا إحدى ممتلكاته، وحين خلق الله المرأة لتحيا في كنف الرَّجل، جعل الرَّجل يستعذب حاجة المرأة ولجوئها إليه، لجوء أنثى فطرت عليه دون أن تشعر بامتهان أو انكسار.

وكانت الأسرة وما زالت المحضن الآمن للمجتمعات الإنسانيَّة، فكان ربُّ الأسرة هو مصدر الأمن والأمان، والمنفق والمعيل، والسَّند الحامي من تقلُّبات الحياة، أمَّا المرأة فتمثِّل نصف المجتمع الإنسانيِّ أو تزيد، وهي من تنجب النِّصف الآخر وتهيِّئه للحياة من خلال التَّربية والتَّأسيس والمراقبة والإعداد والإرشاد والتَّلقين، إلى غير ذلك من وسائل التَّربية الَّتي تستخدمها الأمُّ في إنشاء أولادها وإعدادهم للحياة، فتكون لهم الأمَّ الحانية، والمربِّية الصَّالحة، والمثل والقدوة، حتَّى يشبُّوا على حبِّ الله وطاعته، بالتزام أوامره واجتناب نواهيه، فكان في معنى القوامة تشريف للمرأة وتكليف للرجل.

 لذلك كانت الأسرة أولى الأهداف لكلِّ من أراد أن يفسد في الأرض، فإذا نجحوا في إفسادها كان إفساد ما دونها أسرع وأسهل؛ لذلك وضع أعداء الإسلام الخطط والمكائد لزعزعتها وتفكيكها، بإثارة الجدل والتَّشكيك في كثير من الأحكام الشَّرعيَّة المتعلِّقة بالأسرة.

فلم تكن قوامة الرَّجل وحدها الَّتي شنُّوا عليها الحرب، بل حاربوا فكرة القرار في البيت، والسُّلطة الأبويَّة، والوصاية والولاية، وطالبوا بتحرُّر المرأة من مسؤوليَّات بيتها وأولادها، فأصبحت المرأة تسير من تخبُّط إلى تخبُّط، ومكانتها تهبط من انحدار إلى انحدار، فأخرجوها من قوامة الرَّجل باسم الحرِّيَّة، فلم تحصل إلَّا على الامتهان والإذلال.

ويضاف إلى ذلك المطالبة بحرِّيَّة تصرُّف المرأة في جسدها، وما تحويه هذه العبارة من لؤم وخبث، من إباحة للزِّنا والشُّذوذ، وإباحة للسُّفور والتَّعرِّي، وإباحة للإجهاض، وإباحة للزَّواج من غير المسلمين، وإباحة للسَّفر وإلغاء المحرم، وإباحة لإلغاء العدَّة الشَّرعيَّة، وإباحة للعمل مهما كانت مشروعيَّته أو عدمها، وغير ذلك من المخالفات الَّتي تناقض الشَّرع والعرف والفطرة السَّويَّة، وتهدم مؤسَّسة الزَّواج برمتها.

وعندما طالبوا النِّساء بالتَّحرُّر من مسؤوليَّة الرِّجال، هم في الواقع قيدوهنَّ وحرَّروا أنفسهم من المسؤوليَّة تجاههنَّ، فالواجب على المرأة أن تتَّبع فطرتها، وتقاتل لأجل أنوثتها، ولا تنخدع بالحرِّيَّة والمساواة والاستقلال؛ لأنَّ الأنوثة ليست قيدًا، إنَّما هي عزَّة وكرامة وحرِّيَّة.

وقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن هذه الدعوات والقوانين لا تُطبق إلا لمصالح واضعيها، فإذا تعارضت هذه القوانين مع مصالحهم وسياساتهم فإنها لا تطبق، والدليل على ذلك ما يحدُث في أرضِ الرباط من تقتيل لعشرات الآلاف من النساء والأطفال وتدمير البيوت فوق رؤوسهم ولم يحركوا ساكنا حيالَ ذلك ولم يرمش لهم جفن، ولم نعد نرى تلك المظاهرات المُناديةَ بحرية المرأة وحمايتها من العنف الواقع عليها، بل على العكس من ذلك تخلت عنها تلك الجمعيات الممولة من الغرب من بداية المعركة وتركت النساء لمواجهة مصيرهن وحدهُن، فأين حقوق المرأة التي تتشدق بها الجمعيات النسوية؟ أين سيداو والإصرار على تطبيقها في فلسطين؟ هل كان العنف الواقع على المرأة من الرجل أكبر من العنف الواقع بسبب الحرب؟ أم أن هذه القوانين فقط لتدمير الأسرة وتخريب البيوت وإفساد المجتمع برمته؟

والمرأة المسلمة الَّتي تنتمي للدِّين الحقِّ، وتأخذ بجوهره النَّفيس، لا يضرُّها تآمر المتآمرين، ولا كيد الكائدين، وما كان لهذه القوانين الخادعة بصورتها الحاليَّة أن تجد آذانًا صاغية، أو أن تطبَّق في ديار المسلمين، في عصر منعة الإسلام وقوَّته، فكانت نساء المسلمين آنذاك كالجبال الرَّواسي في تطبيق شرع الله، واليقين بما عنده. يقول أبو الطَّيِّب المتنبِّي:

                              لو أن النساءُ كمن فقدنا    لفضلت النساءُ على الرجال

                            فلا التأنيث لاسم الشمس    عيبٌ ولا التذكير فخر للهلال

تصنيفات :