
أعدّ الله تعالى للظالمين يوم القيامة ألونًا من العذاب والهوان، حتى لَيُأْتى بأحدهم يوم القيامة، وهو مِنْ أَنْعَمِ أهل الدُّنيا، فيَأْمُرُ اللهُ تعالى أن يُغمسَ الظالمُ غمسةً في النار بمقدار طرفة عين، ثم يسأله الله تعالى بعدها: هل أصابَكَ نعيمٌ قطُّ؟ هل رأيت سرورًا قط؟ فيُقسم الظالم صادقًا في ظنه قائلا: “وعزتك وجلالك يا رب ما أصابني نعيم قط، ولا رأيت سرورًا قط”.
أذهلته تلك الغمسة عن كل نعيم وسرور ناله في الدنيا، من هول ما رأى، فكيف بما بعدها!.
ومن كمال عدل الله تعالى وتمام قسطه أن لا يقتصـر هذا العذاب على الظالمين، فألحق بهم أعوانهم، بل امتد العذاب والهوان إلى الذين رضوا بظلم هؤلاء، وإن لم يقترفوا شيئا، ولم يشاركوا بشـيء من أعمال الظلم ، إذ ما كان للظالمين أن يستفحل أمرهم، وتشتد قوتهم في الظلم إلا بأعوانهم، وبرضى جمع من الناس صفقوا وهللوا وأثنوا على الظالمين رغم شيوع ظلمهم وطغيانهم.
ما كان للظالمين أن يتمادوا في ظلمهم، وما كان للطغاة أن يبطشوا بشعوبهم، ويضيعوا ثروات الأمة ويرهنوها لأعدائها، لولا رضى جمع من الناس بأفعال هؤلاء الطغاة، فمدحوهم بما ليس فيهم تزلفًا وتقربًا، أو وقفوا لهم على جوانب الطرق مستبشرين مهللين برؤيتهم، أو أثنوا على شيء من صنائعهم، أو عظَّموا ذِكْرَهم، أو مالت قلوبهم إليهم رضى بهم أو بشيء من أفعالهم حتى ظهر ذلك على جوارحهم، فبهذا كله ازداد الطغاة زَهْوًا وعُجْبًا، وقوة وتَمَكُّنًا، فازدادوا ظلمًا وبطشًا.
والعجب كلُّ العجب أن تبيع هذه الفئة آخرتها بدنيا غيرها، فالظالمون تنعموا بالدنيا الزائلة وتركوا الآخرة الباقية، فكانت تلك حماقة، أما تلك الفئة، فكانت أشد حماقة وشقاء، إذ كانت ترجو بهذا الميل رضى الظالمين وتحصيل شيء من متع الدنيا، لكن لا ينال جُلُّهم ما يرجون.
وإذا سأل هؤلاء الراكنون المداهنون: لم هذا الضنك؟، لم هذا التيه؟، لم هذا الصغار والذل؟.
يأتي الجواب من الله تعالى: إنه عقاب دنيوي معجل فضلا عن العقاب الأخروي المؤجل: “وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ”، فيَكِلُكم الله تعالى إلى أنفسكم، فلا عونٌ منه تعالى ولا عون من أوليائه.
فيا من رَكَنْتُم إلى الظالمين، أبشروا بعذاب أخروي، فيمسكم بعض عذاب الظالمين أنفسهم، وأبشروا بعذاب دنيوي وهو ضنك العيش والتيه والهوان.
ولذا، لا بد من المفاصلة بيننا وبين الظالمين، ولا بد من إنكار ظلمهم ولو بالقلب، إن عجزنا عن رده باليد واللسان، أما الانكفاء وعدم الاكتراث وعدم الانفعال على الظلم الواقع، فأمره خطير، إذ يدفع ذلك إلى تسويغ الظلم والرضى به وإيجاد مبرراته حتى يدفع المنكفئ عن نفسه صفة اللامبالاة، وحينئذ يقع المحظور والخطر العظيم.
فمن لم ينكر الظلم ولو في قلبه -وهو أضعف الإيمان-، فليس بعد ذلك مثقال ذرة من إيمان؛ لأن عدم إنكار الظلم في القلب ليس بعده إلا الرضى به والميل إليه.
وليس أدلُّ على عظم خطر هذه الآية ما ورد أنها عَجَّلَت الشيبَ في رأس الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حيث قال حينما سُئِل عن سبب تسارع الشيب في شعره صلى الله عليه وسلم: “شَيَّبَتْني هود وأخواتها”.
فكانت لسورة هود -ومنها هذه الآية- وقعٌ شديد على نفس المصطفى، إذ هو رؤوف رحيم بالأمة، مشفقٌ عليها من عذاب الله تعالى الذي لن يقتصر على الظالمين وأعوانهم، بل يتعدى إلى كلِّ من مال بقلبه إليهم، ورضي بأعمالهم، ولو بأدنى ظلم، أو أدنى ميل ورضى، وإن لم يظلم أحدًا بفعله مباشرة أو تسببًا.
اللهم اجعلنا في دعوة كليمك موسى عليه السلام: “رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ”
تصنيفات : قضايا و مقالات