الصمت عن الظلم مشاركة فيه، أ. مسعود ريان
ديسمبر 31, 2024
للمشاركة :

وقفت حائرا، حزينا، في قلبي بركان يكاد يتفجر، ثم أصبت بالذهول وأنا أسمع وأرى طفلة في غزة هاشم شردت، ثم جوعت، وفقدت أحبتها وهي تقول للمذيع: سأقول يوم القيامة لربي أن لا يسامح من خذل غزة، نعم خذلها وتركها تجوع وتموت، فقد قتل المحتل المرأة والطفل والشيخ، ثم قتل المسعف والطبيب، وبعدها قتل الصحفي والمصور الذي ينقل الجرائم على الهواء مباشرة.

  وما حرك مواجعي وآلامي قول المرأة يوم القيامة سأشتكي للرحمن كل من خذلنا ولم يقدم لنا الدعم والمساندة.

هنا تعجبت وسألت: هل كانت المرأة والطفلة تدركان أن الله يعذب الظالم والساكت عن الظلم؟

وأجبت مقتنعا أنهما تدركان؛ لأن الأمر واضح وضوح الشمس، والجهل بالأمر لا يعفي من المساءلة والمسؤولية، فالبعض يتوهم أن الله يعاقب الظالم ومن سانده فقط ، وأن العقاب لا يطال من سكت  أو من تخاذل، خاصة لمن قدر على المساعدة.

ولعل صاحب هذا الرأي يستند إلى قوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) لكنه يجهل أن السكوت في حد ذاته وزر.

ألم يسمع المتقاعسون والمتخاذلون قول الله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) [الأنفال: ٢٥]

قال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس:” أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب”. ويؤيد ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال:” نعم إذا كثر الخبث”.

وفي صحيح الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم:” أن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده”. والكل يعلم حديث السفينة أن ركابها في الأسفل أرادوا خرقها ليشربوا، ولا يؤذوا من فوقهم، قال:” إن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا”.

  إذن المسؤولية الجماعية قيمة عظيمة جسدها الإسلام في الأمة كفكرة ومبدأ أساسي أصيل، تربى عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحرصوا أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

كيف لا وقد علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أن المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه ولا يخذله”، وقوله صلى الله عليه وسلم: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم”.

لا عذر لساكت على خذلان أهلنا في غزة خصوصا وفلسطين عموما، ولا حجة لساكت على عجز القادة وعدم تحركهم لنصرة المستضعفين، أيعقل أن تكون المرأة والطفلة المكلومة في غزة قد أدركت أن نصرة المستضعف وإغاثة الملهوف والمكلوم والجريح والضعيف واجبة شرعا وهي تقول : سأقول لربي يوم القيامة أن لا يسامحهم، والأخرى تقول سأشتكي لخالقي كل من خذلنا، ولم تدرك الشعوب كلها هذا المعنى؟! أيعقل أن الشعوب وصل بها الضعف والخوف درجة يرون فيها الكلاب والقطط تأكل أجساد شهداء غزة ولا يتحركون، ما عذر المسؤولين والقادة وأهل القوة؟ وما عذر علماء السلاطين الذين بلغ بهم الاستهتار حد القول: إننا مطالبون بفقه التنزه عن البول، وسنسأل عنه، أما فقه الجهاد والرباط والإعداد فلسنا مطالبين به، وهم يقرؤون في صلاتهم قوله تعالى:” وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر “.

ألا يخاف الساكتون عن نصرة المستضعفين من دعوة المظلوم التي قال عنها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم:” اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.

 ألم يقرأ علماء السلطان عن حلف الفضول قبل الإسلام، إذ تداعى قادة مكة وزعماء قبائلها على نصرة المظلوم، كيف لا، وقد قال عنه صلى الله عليه وسلم:” لقد شهدت حلفا في دار ابن جدعان لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت”.

أم أن أهلنا في فلسطين ولبنان ليسوا مظلومين؟؟ ربما بلغ الأمر عندهم حد التكبر عن الحق والعمل على تغيير قيم الإسلام ومبادئ الدين.

ماذا سيقولون لرب العالمين ؟

لا حجة لأحد وكل محاسب حسب طاقته وقدرته وحدود مسؤولياته.

ولو أنهم استندوا إلى شعوبهم واستمدوا المشروعية من الأمة، لما استقوى عليهم الأعداء، ولما استهتروا بهم لهذه الدرجة، وليعلم القادة والعلماء والعامة أيضا أن ثمن السكوت عن نصرة الضعيف والمظلوم كبير وخطير، وسيطال الجميع في الدنيا قبل الآخرة قال الله تعالى:”وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم”

لذلك علينا أن ندفع ثمن السعي لطلب العزة والحرية والكرامة، ولنعش أحرارا ولنمت واقفين، بدلا من أن ندفع ثمن الخنوع والعبودية ونموت عاجزين خانعين.

تصنيفات :