لا حياد بين الحق والباطل، أ.زياد عبد الله طروه
ديسمبر 31, 2024
للمشاركة :

الحمد والثناء لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ:

أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى منَّ على الإنسان بنعمة العقل؛ ليميّزه عن سائر المخلوقات، وجعل العقل مناط التكليف، وذلك من أجْل أن يميّز به بين الحق والباطل. فالشريعة الإسلامية جاءت بمقاصد عظيمة من أجل احترام سيادتها وتطبيق أحكامها، وحتى تحترم سيادة التشريع فلا بد من معرفة سبل الهداية التي توصل إلى التشريع الإسلامي من أجل قطع الطريق على الناس في إقامة الحجة عليهم يوم القيامة وهذه السُبل هي: الفطرة والعقل والرسل.

     فالله سبحانه فطر الناس على التوحيد والحقوجبلهم على ذلك، قال تعالى:﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ سورة الروم الآية (30)، فدلالة الآية: تبين أن الإنسان منذ خلقه وهو مفطور على الحق واتّباعه، فإن لم يهتدِ الإنسان إلى الحق بالفطرة، يأتي دور العقل للتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فعقل الإنسان يدله على أن إبداع هذا الكون، لا يمكن إلا أن يكون له خالق وهو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. سورة النحل الآية (12). فدلالة الآية: تأمرنا بالنظر في كتاب الله المنظور وهو الكون للوصول للحق. فإن لم يهتدِ الإنسان بفطرته وعقله إلى الحق، يأتِ دور إرسال الرسل بالهداية والمعجزات والكتب السماوية، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، سورة المائدة الآية (19). فالآية تدل: أن الله يرسل الرسل ليقيموا على الناس الحجة بالكتاب المسطور وهو القرآن، وخاصة بعد ما انحرفت فطرتهم عن التوحيد وانتكست، وتعطلت عقولهم عن التفكير وغلب عليهم الهوى والشيطان.

     وبعد هذا التأصيل الشرعي، كان لا بد أن يعرف المؤمن أن الله أعطاه الفطرة السليمة والعقل الرشيد وأرسل له الرسل مؤيدين بالكتب والمعجزات؛ من أجل أن يميز بين الحق والباطل وعليه أن يعلم أن الحق والباطل لا يلتقيان، فالصراع بينهما قائم، وعليه أن يكون واضح البيان والتبيان في نصرة الحق، فالحق أحق أن يتبع، فالمؤمن الحق الرباني يجب عليه الوقوف بجانب الحق ونصرته بحسب قدرته، وتكون نصرته للحق وأهله حسب قدرته واستطاعته، إما بالمال أو السنان أو البنان.  فلا يقبل أن يكون المؤمن إمعة يوجه كالغنم، بل له عقيدة وشريعة ترسم له الطريق للتفريق بين الحق والباطل، ليقف بجانب الحق، ولنا بصحابة رسول الله ﷺ، أسوة حسنة.

      فهذا بلال وعمار وخباب وغيرهم الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم، رغم ما واجهوه من العذاب في بداية الدعوة، إلا أنهم ثبتوا على الحق. فلما علموا طريق الحق اتبعوه ونصروه رغم ما لحقهم من إيذاء ظاهر، ولم يقفوا موقف الحياد، لأن الحياد في نصرة الحق هو النفاق بعينه، فعلى المسلم أن يكون واعياً مدركاً في التفريق بين الحق والباطل، ولا ينبغي للمؤمن أن يقف موقف الحياد من أجل لعاعة من الدنيا كمنصب أو وظيفة أو غيرها من سفاسف الدنيا الفانية.

       فالصحابة تركوا أوطانهم وقدموا أموالهم من أجل الوقوف مع الحق، ولم يؤثر عنهم أنهم وقفوا موقف الحياد أمام الحق، وهذه الحقيقة لا تقبل التردد أو الحياد؛ بل يجب أن يكون المؤمن دائماً مع الحق أينما كان، ومع الحق من أي جهة جاء، وأن يكون بعيداً عن الباطل في جميع الأحوال. وتأكيد هذه الحقيقة ليس أمراً يقتصر على النصوص الدينية فحسب، بل تتجسد في أحداث العالم المعاصر، مثل ما يحدث اليوم في فلسطين، حيث يُجسد الصراع الدائر بين الحق والباطل في أبشع صورة من صور النفاق.

    إن القرآن الكريم يوضح لنا الفرق الجوهري بين الحق والباطل في كثير من الآيات، مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (الإسراء: 81). فدلالة الآية: تبيّن للناس أن الباطل لا يُمكن أن يستمر، بل هو في طريقه إلى الزوال حتماً، بينما الحق هو الثابت الذي لا يتغير ولا يتأثر بتقلبات الزمان والمكان. كما وتنبّه الآية المسلمين إلى ضرورة الوقوف إلى جانب الحق مهما كانت التحديات، فلا مجال للحياد في معركة الحق والباطل؛ لأن الحياد هو قطعاً نصرة الظلم والجور والقهر والطغيان والفساد والاستبداد على الحق. فالمؤمن دائماً مع الحق لا يقبل الحياد، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا التي تمس الدين والعقيدة. فالمؤمن يجب أن يكون له موقف واضح وصريح من الأحداث التي تحدث حوله، ويجب أن يكون مبدؤه في ذلك هو معايير الحق التي وضعها الله ورسوله ﷺ.

    فالصراع في فلسطين من أبرز الأمثلة التي تعكس عدم وجود حياد بين الحق والباطل، فكيف للمؤمن أن يقف موقف الحياد فيمن يسلب أرضه وكرامته منذ عقود طويلة، وسط تجاهل عربي دولي منظم ومرسوم. فلا مكان للحياد بين الحق الفلسطيني وباطل المحتل ومن لف لفيفه. إن موقف المؤمن يجب أن يكون مع الحق الفلسطيني، الذي يتماشى مع قيم العدالة التي دعا القرآن الكريم لها، كما في قوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال: 8). فدلالة الآية: تشير إلى أن الحق سيظل قائماً لا محالة وإن غابت شمه بسبب الظلم والجور، إلا أنْ الباطل سيتلاشى مع مرور الزمن ويزول بإذن الله سبحانه.

      وخلاصة القول: إن التمييز بين الحق والباطل ليس أمراً عابراً، ولا أمراً بسيطاً في حياة المؤمن، بل هو ركن أساسي من أركان عقيدته سطره الله في كتابه، وجاءت أخباره في سنة نبيه ﷺ، وأحوال السلف من بعده. فلا مجال للحياد بين الحق والباطل في شريعة الإسلام. فالوضع اليوم في فلسطين هو تجسيد حي لهذه الحقيقة، حيث لا يمكننا الوقوف محايدين أمام ظلم الاحتلال وإجرامه في قتل أبناء شعبنا والنزول عند نزواته بوعوده الكاذبة، بل يجب على المؤمن الحق أن يكون مع أهل فلسطين في قضينهم العادلة، ضد الإجرام والبغي والظلم والطغيان، من أجل إحقاق الحق ودحر الباطل، وإرجاع الحقوق لأصحابها بإذن الله رب العالمين.

تصنيفات :