بَينَ الإفكِ والعَــصــا، أ. يوسف الفقهاء
ديسمبر 31, 2024
للمشاركة :

هكذا يبدو المشهد في أتون الحرب: غزّة تحمل عصاها أمام البحر، وتحاصرُ حصارَها، وترفض الرحيل. ووراءَها صهيون وجنوده وقد “أرسلوا في المدائن حاشرين”. الذين نجوا بالأمس مِن فرعون بقيادة موسى عادوا اليومَ عبر الضفّة الأخرى يحاصرون موسى، يقودهم فرعون، لأنّ موسى ناصَب عِجلهم العداء، ونسفه “في اليَمّ نسفًا”، والذين واجهوا النازيّة بالأمس عادوا اليومَ مسلَّحين بكلّ أدوات النازيّة، لأنّ “شعب الله المختار” هو وحده مَن يحقّ له أن يعادي الله، ويستعلي على “الأغيار” محتكرًا حقَّ العنصريّة، والبناء على أنقاض الشعوب.


          قديمًا أَغرقَ فرعونَ إصرارُه على تحقيق النصر المؤَزَّر، فلم يُرضِه إلّا إفناءُ أعدائه، واستئصالُــهم. كانت ثقتُـــه بقوّتِـــه وضعفِ خصمه مَــقْــتَــلَــــه، فتقدّمَ الجندَ بنفسه ليلاحق مَـــن وصَفَهم بأنّهم “شرذمةٌ قليلون” إلى ما وراء البحر، فكانت النهاية: “فأخرجناهم مِن جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم” ، “وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين ثمّ أغرقنا الآخَرين”.

          واليوم تستدرج غزّةُ فرعونَ صهيونَ نحو البحر، لكنْ لا غزّةُ تريد العبور، ولا فرعون يجرؤ على اقتحام البحر رغم ما يتظاهر به مِن بأس وقوّة، ورغم قوله: “وإنّا لَجميعٌ حاذرون”. وإذا قيل: “إنّا لَـمُـدرَكون”، قالت غزّةُ: “كلّا إنّ معيَ ربّي سيهدينِ”. ستضرب بعصاها البحر ليعبرَ الفجرُ، ولتأتي بالبحر إلى صهيون. أمّا نحن، فمُنزَرِعون ها هُـــنــا كصخرِ الشاطئ العنيد بانتظار المواجهة الحاسمة القادمة. نضربُ بعصانا البحرَ، ونتركُ البحرَ رَهوًا “إنّهم جندٌ مُغرَقون”، ولْتَـــعــبُـــرْ أيُّـــها الفجرُ بحرَنا “لا تخافُ دَرَكًا ولا تخشى”.


                  
تصبحُ هزيمةُ الطّغيانِ واردةً، مُحتَمَلةً، محتومَةً حينما يَثِقُ أنّ هزيمتَه غيرُ واردةٍ، أو مُحتمَلَةٍ؛ لأنّ مَن يستبعدُ الهزيمةَ يتركُ لها البابَ مُشرَعًا دون أن يدري، فتأتيه الهزيمةُ مِن حيثُ تَوَقَّعَ النّصر.

           في سورة الشّعراء يبدو فرعون وأعوانُهُ واثقين من انتصار السَحَرَةِ، غيرَ متوقِّعين للهزيمة، فيجمعون النّاس لحضور المواجهة بين موسى – عليه السّلام – والسّحَرةِ على قاعدةِ ” لعلّنا نتّبعُ السَّحَرَةَ إن كانوا هم الغالبين”. كما يبدو السَّحَرةُ واثقين مِن انتصارهم، غيرَ متوقّعين للهزيمة، فيسألون عن أجرهم بعد إحراز النّصر قائلين:” أَئِنَّ لنا لأجرًا إن كنّا نحن الغالبين”. ثمّ يُلقون حبالهم قائلين:” بعزّةِ فرعونَ إنّا لَنَحنُ الغالبون”. اللّافت ههنا أنّ احتمال الغَلَبَةِ واردٌ باعتباره الاحتمال الوحيد، فلا الذين جمعوا النّاس قالوا: لعلّنا نتّبعُ الغالبَ من الطّرفين، ولا السَّحَرَةُ سألوا عن جزاء الهزيمة سؤالَهم عن أجر الانتصار.

          ومن النّاحية اللّغويّة، يلفتُ انتباهَنا أنّ عبارة كلا الطرفين جاءت مؤكَّدةً مرّتين: بالضميرين المنفصلين (هم) و (نحن)، وبالتّعريف (الغالبين) و (الغالبون). بل إنّ السَّحرة أضافوا إلى التوكيدين ثالثًا، فرابعًا حينما احتدمت المواجهة، فأضافوا حرف التّوكيد (إنّ) واللام المزحلَقة ” إنّا لَنحنُ الغالبون”، ممّا يَشي بتلك الحالة النّفسيّة التي يحياها هؤلاء؛ فهم حاسمون في اعتقادهم أنّهم الغالبون، يتضافرُ في التّعبير عن ذلك لسانُ الحالِ ولسانُ المَقال.

          وبقدر ما كانت الهزيمةُ مستبعَدَةً، كان السّقوطُ مُدَوِّيًا، وكان وجهُ النّصر باديًا ناصعًا، فلم يعترف السّحرةُ بالهزيمة فحسب، بل انتقلوا مذعنين من الكفر إلى الإيمان “فأُلقيَ السَّحَرةُ ساجدين” في اعتراف صارخ بانتصار المستضعَفين وهزيمة المستكبِرين، وإذا كانوا انتظروا النّصر ” بعِزّة فرعون ” فقد أثبتوا، بهزيمتهم وإيمانهم، ذلَّ فرعونَ، فذلَّ فرعونُ، وسقط السّحَرَةُ إلى الأعلى حينما هُزموا سَحَرَةً، فانتصروا مؤمنين . وفي كلّ زمان طغاةٌ واثقون يُهزَمون، وسحرةٌ سيسجُدون، فَمَن ذا يُلقي عصاه “تلقَفُ ما يأفكون”؟؟

تصنيفات :