
يسمُو الإسلامُ العظيمُ بالإنسانِ، فيُكرّمُهُ، ويحترمُ إنسانيّتَهُ، ويصونُ حقوقَه، ويمنحُهُ المنهجَ القويمَ، الذي ينالُ بهِ السّعادَةَ في الدُّنيا، والفوزَ والفلاحَ في الآخرة، قال تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” [الإسراء: 70]
ولكنَّ الإنسانَ قد يقعُ فريسةً للظُّلمِ، لأسبابٍ مُتعدّدَةٍ، وظروفٍ طارئَةٍ، خارجةٍ عنِ المنهجِ الرّبَّاني، ولحظاتٍ تُحتجبُ فيه قوانينُ الشّرعِ الحنيفِ، ليحلّ محلّها، انتهازيّةُ الأطماع، وهتكُ المُقدّساتِ، وسلبُ المُقدّراتِ، والتّغوّلُ الأعمى على الممتلكات، ويغدو الفسادُ مُتطاولاً بكلّ أدواتِهِ، وينحسرُ الحقُّ بأهلهِ، وآثارِهِ، عندهَا يجبُ أن تتبدّى حقائقُ الإيمانِ، وفرائِضُ الدّين، التي في مُقدّمتها:
- نحنُ مأمُورونَ بإقامةِ العدلِ دون ذكرِ تفاصيلِ الكيفيَّاتِ، حتّى يجتهدَ البشرُ فيها بما يوافقُ زمانَهُم، ومكانَهُم، وإمكانِيَّاتهِم، وهذا من تيسيرِ الله تعالى ورحمتِهِ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ]النحل :90]
- نُصرةُ الحقِّ فرضُ الوقتِ وعبادةُ الأَولى، التي لا يُنازِعُهَا أيُّ فرضٍ، وتُقدَّمُ على غيرِهَا، قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: ” … ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ -يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا…”
- نصرةُ المظلومِ أمرٌ يُعطَى كرائمَ الأوقاتِ ومتنها، لا فضلَهَا أو هامشَهَا؛ لِحَسرِ مدِّ انتشارِ الظُّلْمِ، وردعِ أهلهِ، وقمعِ تطاولِهِ؛ حتّى لا يتعالى فيتّسعَ الخرقُ على الرّاقعِ، وتقلُّ حيلةُ المؤمنِ، وتضيق عليه الوسائل.
- كُلفةُ نُصرةِ الحقِّ، أقلُّ من كُلفةِ الاستسلامِ للظُّلمِ، وردعُ الظَّالمِ أهونُ ثمناً -مهما بلغ- من أثمانِ الإذعان، والتعذُّرُ بأعذارٍ تزيدُ سوءَ الحال، وتؤسِّسُ لحالةٍ من الانهزاميّةِ والرّكون.
- نصرةُ الحقِّ ونصرةُ المظلوم، وقايةٌ خاصّة، وعامّة، يحمي بها المؤمنُ نفسَهُ، من ذنب القعودِ والعجزِ، والاستسلام، ويحمي حُرُماتِهِ، من أن تصلَ إليهَا يدُ الظلمَةِ، التي لن تكتفيَ بأخيه، بل ستطالُهُ، طالَ الزّمنُ أمْ قَصُر، قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:25]، وهي عامّةٌ في مجتمعٍ متماسكٍ، سيحافظُ على مُقدّراتِهِ، وديمومتِهِ، وسعادتِهِ.
وقد أخذَ الخِطابُ بِنُصرَةِ المَظلومِ في ديننا العظيم، صيغةَ الفرديةَ الشخصيّةِ المُباشرة، كي يحملَ همَّ الحقِّ، ومسؤوليَّةَ نُصرةِ المَظلومِ كُلُّ فردٍ منّا، ولا يخطرُ ببالِهِ، أنَّ التكليفَ به مناطٌ بغيره، قال (عليه السلام): ” انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هذا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكيفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ” رواهُ البُخاري.
ففي الخطابِ المُباشر، غُنيةٌ عظيمةٌ في معانٍ تحمُّلِ الفردِ بعينِهِ، مسؤوليةَ النُّهوضِ بنصرةِ أخيه، وإرجاعِ حقّهِ، وهو بذلك خطابٌ للهيئةَ المُجتمعيَّةَ كاملةً، تبعثُ على إيجادِ الوسائِلِ التي يشتركُ فيها الجميعُ، فيشكّلونَ، قوّةً في وجهِ الظّلمِ، يصعُبُ التّغلُّبُ عليها، أو الإطاحةُ بها، وتوحيدُ الفكرِ، والرأي، وعدمُ تركِ الأمر للاجتهادات الفرديّة، التي قد تصيب أو تُخطئ، ورأي الجماعة لا يُختلفُ على أنّهُ أصوبُ.
وأهمُّ الوسائلِ التي يجبُ أنْ تُتَّبَعَ في نصرةِ المظلومِ، فرديَّاً وجماعيَّاً:
- الكلمة: وهي عنوانٌ كبيرٌ، بل قدْ يكونُ الخطوةُ الأخطرُ؛ لأنَّ بهِ بيانُ الموقفِ، ووضوحُ الفكرِ، ومفاصلةُ الأطرافِ، ومبتدأُ العملِ، ومنطلقُ المسير، ودعوةُ الغير، وشحذُ الهمم، وشدُّ العزائمِ، وتوجيهُ السُّلوكِ، وتعريةُ الظَّالمِ، وفضحِ سلوكِهِ وتصرُّفِهِ، وكشفُ أعوانِهِ، وخلقِ رأيٍّ عامٍّ مناهضٍ للظُّلمِ وأشكالِهِ.
ولذلك يلجَأُ الظَّلمةُ لمحاصرةِ أهلِ كلمةِ الحقِّ، ومصادرةِ حقِّهِم في الكلام، وبسطِ نفوذِهِم على وسائل الإعلامِ بأشكالِهَا، وتفعيلِ الرّقابة عليهَا، بما يضمنُ لهُم نشرَ سردِيَّتِهِم الخاصّة، وتقديمِ وجوهٍ مُزوَّرةٍ تدّعي العلمَ وتتفيقَهُ باسمِهِ؛ لتسويقِ رواياتِ الظَّلَمَةِ، وتبريرِ أفعالهم.
- المال: وهو شكلٌ منصوصٌ عليه من أشكالِ الجهادِ، الذي يُنصرُ بهِ المظلوم، وتقوى شوكةُ الحقِّ وأهلِهِ، ويملِكُ من أدواتِ النُّصرَةِ، ما يحمي به الفردَ والمجتمَعَ، ويردعُ به الظَّالم. قال تعالى “انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ” [التوبة: 41] ،ويجدرُ القولُ بأنَّ المالَ المبذولَ هُنا ليسَ منَّةً بل قد يكونُ فرضاً مُتَعَيِّناً على كُلِّ قادرٍ، وفْقَ سَعَتِهِ، بما يتوافقُ مع الظَّرفِ العامِّ الذي تمرُّ به الأمُّةُ، وقد ضربَ سلفُنَا الصَّالحُ أروعَ الأمثلةِ، في استخدامِ المالِ في نصرةِ المظلومِ، كحالِ الصِّدّيقِ (رضي الله عنه) الذي أعتقَ الرّقابَ، وجهّزَ الجيوشَ، وخدمَ الدَعوةَ.
- النَّفْسُ: وهذا أمرٌ يتربَّعُ على قمّةِ أشكالِ الفعلِ المُباشِرِ، بتسخير شتَّى الإمكانيَّاتِ، واغتنامِ كُلِّ السَّاحات، حتى نصلَ في نصرةِ المظلومِ إلى المواجهةِ المُباشرَةِ، وبذلِ أعلى أنواعِ التَّضحياتِ وأسماها، لأنَّ المقصِدَ إحقاقُ الحقِّ، ورفعِ الظُّلمِ، وردع الباطل، وهذا لا يتأتَّى للأُمَّةِ، إلَّا بإرخاصِ النّفوس، وبذلِها. والشُّحُّ بالنّفسِ ساعةَ الحاجة، والاضطرارِ، قعودٌ مَذمومٌ، وَجبْنٌ كريْهٌ، يترتّبُ عليْهِ استباحةُ الظلمةِ لكلِّ ما وصلت إليهِ أيديهم، وتماديهِم، وغطرسَتِهِم، وتحويل أفرادِ الأُمّةِ إلى جموعٍ من المُستضعفينَ المظلومين المقهورين، غابتْ عزَّتُهُم، وانكَفَأَتْ قوّتُهُم، وكُسرَتْ شوكَتُهُم، وضاعتْ حقوقُهُم، وذهبتْ هيبَتُهُم، ودونَ حدوثِ ذلكَ يهونُ كلُّ شيء. قَالَ تَعَالَى:” وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا” [النساء:75]
ختاماً، تُدركُ الأُمّةُ بمجموعِهَا، ومن خلالِ النُّصوصِ الثَّابتة، ما للظُّلمِ من عواقبَ، وما لانتشارِهِ من مهالك على الأصعدة كافّةِ، وآنَ لها أنْ تستعيدَ زِمَامَ المُبادرَة، وتنتهجَ طريقَ الفعلِ، لتترجمَ المبادئَ والقواعدَ إلى أفعالٍ، غيرَ آبِـهَةٍ بالتكاليف، بل عاملةً بالتكليف؛ حتَّى تُبصِرَ صُبحَهَا يتنَفَّسُ العدلَ على امتدادِ صروحِهَا، وعلوِّ قبابِهَا ومآذِنِها، وجموعِ شعوبِهَا، وكلُّ ذلك مرهونٌ بعزيمتِهَا، وفهمِهَا، وفعلِهَا، واستقلاليَّةِ قرارِهَا، وسيادَةِ أمرِهَا. قَالَ تَعَالَى:” وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً” [الإسراء :51]
تصنيفات : قضايا و مقالات