دور علماء الأمة في مواجهة الظلم، د. طلب عبد الفتاح أبو صبيح
ديسمبر 31, 2024
للمشاركة :

أصل الظلم الجَور ومجاوزة الحد، ويعني وضع الشيء في غير موضعه([1]). وهذا المعنى يشمل حركة الإنسان في المجالات كافة.

ولما ورث العلماء الراية من الأنبياء، وجب عليهم مواجهة الظلم، فلهم عند كل جَور دَور، وبرز دورهم في صد العدوان على أرض الإسراء منذ مطلع القرن الماضي، ولا زالت تحمل اسم العلم الذي هاجر من جبله إليها ليسقي تراب يعبد فخلد التاريخ اسمه، وفي عام النكبة توالت مواكب العلماء دفاعا عن أرض الإسراء وظهر اسم الشيخ عبد القادر الحسيني حتى لقي ربه في الثامن من نيسان لعام 1948 في القسطل، بعد خذلان النظام العربي له وتركه يواجه الإنجليز وحده.

وأرسل البنا جُندَه فأبلوا بلاء حسنا، ولكنهم خُذلوا كما خذل الحسيني، وانتظرت أعواد المشانق عودتهم.

وقبل عشرين سنة لم يستسلم الشيخ القعيد لمرضه، فكان رمزا في مواجهة العدوان، فما لانت له قناة ولا حنى جبهته أمام الغزاة؛ حتى لقي ربه فجرا بعد الاعتكاف في مصلاه في الحادي والعشرين من آذار 2003، وحمل الراية في كل بلد علماؤها دفعا للظلم، والقائمة تطول.

مجالات الظلم :

دخل الظلم على مجتمعاتنا من الأبواب كافة، مما يوجب على العلماء تنظيم صفوفهم وتوزيع أدوارهم وتحديد تخصصاتهم، وبغير هذا يبقى الأداء ارتجاليا، والنتيجة محدودة، فوجب تأهيل من يصلح للوقوف عند الأبواب المستهدفة، لأداء أمانة  اعتذرت عن حملها الجبال. 

فلقد وزع الظلمة أدوارهم، الاجتماعية، والتعليمية، والإعلامية، والاقتصادية، والثقافية، والتاريخية والفنية وغيرها فبسطوا نفوذهم ووظفوا جنودهم، وطعنوا في دينكم، قال الله U :

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)[الأنفال: 36]، والمعركة لم تنته، لذا؛ حذرنا I : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا )[ البقرة:217].

وعلى العلماء تذكير الأمة أن دولة الظلم ساعة حالكة، مرَّة، لكنها لن تدوم وإن طالت، فوعد الله لرسله وجنده وعباده بالنصر والتمكين لا ريب فيه، والاستعانة بالله سر نجاح العالم وقوته، فدعوة المظلوم مستجابة لقول النبي r: “واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب“[البخاري:1496]. وفشو الظلم علامة على قرب زوال دولته؛ لقول الله U : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)[ الكهف:59].

ولهذا، يجب تحصين الجميع، فمكر الظلمة عظيم (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال)[إبراهيم: 46].

ففي المجال التعليمي:

يجب أن يكون المنهاج والمعلم ضمن اهتمام العلماء، لنحمي النشء من الغزو، وصلاح المنهاج لا يكفي إذا أفسدوا المعلم.

وفي المجال الإعلامي:

يجب تحصين الإعلاميين، كي لا يكونوا بوقا للظلمة، وتزيين مخططاتهم، فهذا كان عمل سحرة فرعون.

وفي المجال الخيري:

 ينبغي ألا يترك الأمر للظلمة فيسرقوا حقوق المساكين، فهم يحرصون على ألا يؤول هذا الأمر لغيرهم.

وفي المجال الثقافي:

سبيل الظلمة فيه مرئي، لنشره ثقافة العري، على منهج كبيرهم (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا)[الأعراف: 27]، فغَزَوا وسائل التواصل ليغزونا.

وفي المجال الاقتصادي:

هاجمونا بالربا ومؤسساته، والبديل الشرعي لم يسلم من التشويه والتشكيك، والدفاع عن الفكرة وتأهيل العاملين واجب على العلماء والدعاة، ولهذا نرى سيطرة على المؤسسات والشركات الكبرى في المجتمع فالمال عصب الحياة وقوامها.

وفي المجال الفني:

سلبوا عقول كثير من الناس، فوجب على العلماء إيجاد البديل المنافس، وإلا فقد أعدَّ الظلمة للأمر عدته وسخروا له أموالهم.

ولهذا؛ على علماء كل بلد أن يحددوا واجبهم وفق فقه الأولويات والمآلات  والموازنات، ليحصدوا ما زرعوا ولا يحصده غيرهم.


[1] – ابن منظور . لسان العرب : 12 / 373 .

تصنيفات :