
في قوله تعالى: “إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا: لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا! كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ” (البقرة 166 – 167)
يرسم النصّ القرآني في هذه الآية مشهداً يصور فيه الحال الذي سيكون عليه أمر تابعي المجرمين والضالين والظالمين في الآخرة، وكيف أن المتبوعين الذين ما كان لهم أن يتمكنوا في الدنيا إلا بجنودهم وأدواتهم التنفيذية، سينقلب حالهم للبراءة من تابعيهم والتخلي عنهم، وكيف أن الحسرة ستكون من نصيب أدواتهم والتمني العبثي بالرجوع إلى الدنيا للبراءة من سادتهم، ثم كيف أنّ العذاب سيكون مصير التابعين والمتبوعين على حد سواء، ولن ينفع أحداً من منظومة الطغيان هذه، مهما كان دوره فيها، أن يتعلل بالندم أو يظهر الحسرة، أو يقول إنه كان مجرد عبد مأمور، يفعل ما يطلبه منه الطغاة.
هذا مشهد ناطق بالحياة، يخبر منظومة الطغيان في كل زمان ومكان كيف سيكون حالها في الآخرة، بماذا ستتعلل وكيف ستتحسر على ماضيها، ثم كيف سيكون عقابها، لكن الطغاة وجنودهم لا يعتبرون، سواء أكانوا من أئمة الكفر والصد عن سبيل الله، أم كانوا من المجرمين والظالمين، وهم في تمسكهم بغيّهم وطغيانهم يحسبون أن الدنيا قد تذللت لهم وأنهم مخلدون فيها، وأن سنة الله العادلة لن تجري عليهم، في الدنيا أو في الآخرة، أو في كليهما معا.
وإن كانت منظومة الطغيان تستهين بحتمية خنوع الكافرين والظالمين والمتجبرين يوم الحساب، وتعدّه يوماً بعيداً وإن آمنت به، إلا أنّ هناك تجليّاً آخر لنذالة واستكبار هذا الصنف من البشر، وهي تبرير أفعالهم وهم في الحياة الدنيا وقبل يوم الحساب، حين يجري على لسان كثير منهم أو من ذويهم تعبير (ما أنا إلا عبد مأمور)، ويحسب الواحد منهم أن تنفيذه أوامر مشغليه مهما بلغ قدر جرمها أمر لا حرج فيه أو أن حسابه في رقبة الآمر وليس المنفّذ، وهذه الفرضية لا تنطق بالجهل والتيه فقط، بل تستبطن قدراً كبيراً من الاستخفاف بالمظلومين ومحاولة استغفال عامة الناس وإثارة استعطافهم مع المجرم الجاني إذا ما حانت لحظة محاسبته، أو احتاج لتمتين حضوره وقبوله داخل مجتمعه، دون أن تلاحقه مواقف الإدانة.
ولو أن المجتمع على علم ووعي كبيرين بسقوط حجة (العبد المأمور) وبكونها لا تغني عن صاحبها شيئاً ولا تشفع له أو تبرر جرائمه أو تعفيه من الحساب عليها، لما تجرّأ هؤلاء إلى هذا الحد في جرائمهم ولما استسهلوا تنفيذها، ولما تطور الأمر إلى تبرير الخيانة وتزيينها أمام الناس، كما يجري مع الذين امتهنوا ملاحقة المجاهدين في فلسطين والولوغ في دمهم، مستندين إلى تبريرات سقيمة باطلة، وإلى جيش من العبيد المأمورين بالباطل، المطمئنين إلى تسامح المجتمع معهم، واستثقال المفاصلة مع كل من ينال المؤمنين بأذاه، أو يشي بهم، أو يساهم في ملاحقة المجاهدين والأحرار واعتقالهم وتعذيبهم، وصولاً إلى سفك دمهم.
لذلك كله ينبغي التبصير بحقيقة الحكم الإلهي على أدوات الطواغيت وجنود الظالمين، والآيات في كتاب الله كثيرة في هذا المجال، منها قوله تعالى في فرعون وجنوده: “فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعًا” (الإسراء – 103)، وكذلك: “إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ” (القصص – 8)
هذا الحكم الإلهي القاطع يلزم الناس جميعاً وعلى رأسهم الدعاة والمفكرون بأن ينبهوا الناس إلى خطيئة أدوات الطواغيت، وإلى ضرورة نبذهم والمفاصلة معهم، لأن التهاون معهم والإصغاء إلى تبريراتهم سيغريهم بالتمادي في ظلم الناس والعدوان على حقوقهم واستباحة كرامتهم، إن اطمأنوا إلى أنه سيتم التسامح مع جرائمهم حين ينتهي دورهم أو يلفظهم مشغلوهم. فلا لقمة العيش ولا الخضوع لأوامر المتبوعين ولا غيرها من تبريرات الأخسرين أعمالاً ستكون محل نظر وقبول في ميزان السماء، وينبغي أن تكون كذلك في موازين الأرض كلها، وفي منهج التعامل مع المعتدين والظالمين والمفسدين في الأرض.
تصنيفات : قضايا و مقالات