مشاهد الإسراء والمعراج، ورسائل النصر والوحدة والتضامن، د. بلال سلهب
يناير 31, 2025
للمشاركة :

لعل مِن أهم ما يجب أنْ يستحضره المسلم في كل مناسبة دينية؛ هو محاولة ربطها بالواقع الذي يعيش فيه، وأنْ يأخذ منها الدروس والعبر، ويُجسّد أحداثها، ويتفاعل معها، ويعكسها على سلوكه، مصداقًا لقوله تعالى: “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” [يوسف، 111]، وإلّا فليس هناك فائدة مِن الوقوف على هذه الأحداث والمناسبات، فهي ليست تاريخًا يُكتفى بالوقوف عند حد قراءته في كتب التراث، ولا مجرد قصة تُسرد بصورة مجردة مِن روحها وجوهرها ومعانيها.

وبما أننا نعيش في هذه الأيام في ظلال حادثة الإسراء والمعراج -التي خلّدها الله عزّ وجل في سورة تتلى إلى يوم القيامة-، وفي ظل حرب إبادة جماعية لأهلنا في قطاع غزة، استمرت على مدار خمسة عشر شهرًا، ألقت بثقلها على كاهل أهلنا في غزة، وعلى كاهل كل مسلم غيور على دينه، وأمته، ومقدساته؛ فإنه لا بدّ لنا مِن وقفات مع هذه المناسبة لتكون لنا زادًا نستكمل به درب العزة والفخر، إلى أن يتحقق وعد ربنا بالغلبة والنصر. وأُجملها برسائل مستلهمة من محطات أساسية في هذه المناسبة، وذلك على النحو الآتي:

الرسالة الأولى: ليس مِن بَعد العُسر إلّا اليُسر، وليس مِن بَعد الضيق إلّا الفَرَج؛ فبعد أنْ مرّت بالنبي صلى الله عليه وسلم أحداث فيها مِن الشِّدة والضيق والحزن؛ ابتداءً بوفاة زوجته خديجة بنت خويلد التي كانت خير عون له في دعوته، ومرورًا بوفاة عمّه أبي طالب؛ الذي كان سندًا له ومدافعًا عنه وسدًا في وجه المشركين، وأخيرًا وليس آخرًا بامتناع أهل الطائف عن الاستماع له، وَسَبّه وطرده، ورمية بالحجارة مِن قِبَل السفهاء؛ جاءه الفَرَج مِن الله -بعد أن خذله الأقربون والأبعدون- في صورة فيها مِن التسلية والمواساة والتضامن ما لم يكن لها مثيل مِن قبل، أعادت له طمأنينته، وقوّتْ عزيمته، وشدّت مِن أزره.

وأنتم أهلنا في قطاع غزة الحبيب لقد أصابكم ما أصابكم مِن كل أنواع الابتلاء، فقُتلتم، وهُجّرتم، وهُدّمت بيوتكم، وأصابكم الخوف، والجوع، والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وخذلكم القريب والبعيد، ولم يكتفوا بذلك بل وتآمروا عليكم، وساندوا عدوكم، ومدوه بالطعام والشراب والسلاح، وفتحوا له الجسور والمعابر، وضيقوا عليكم الخناق، وسدّوا عليكم كل منفذ وباب؛ حتى اضطررتم إلى أكل أوراق الشجر، وعلف الحيوانات، وارتقى أطفالكم شهداء مِن شدة البرد، وقد بلغ الظلم منتهاه في صور لا عدّ لها ولا حصر… هنا نقول لكم يا أهل غزة: إنْ خذلكم الناس فالله ناصركم، وإنْ تخلى عنكم الناس فالله حسبكم، فصبرُكم لن يذهب هدرا، وجهادُكم لن يذهب سدى، فالذي نصر محمدًا صلى الله عليه وسلم في أحلك مراحل دعوته، سينصركم، والذي أيده سيؤيدكم، والذي آواه سيؤويكم، والله معكم، ولن يتركم أعمالكم، و “إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡ” [آل عمران، 160]. سينصركم الله ولسان حالكم يلهج بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الظروف الحالكة: “اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي، إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلاَ أُبَالِي“. وقد بدأت تتجلى أمام أعيننا في هذه الأيام إشارات النصر، وقد اندحر العدو، وعاد المهجرون، وحرر الأسرى، رغمًا عن أنف العدو ومَن عاونه.  

الرسالة الثانية: الكعبة قبلة المسلمين، والقدس هي البوصلة؛ فالإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام حيث الكعبة المشرفة، إلى المسجد الأقصى شعار معركة الطوفان، فيه إشارة إلى أنّ الكعبة وإنْ كانت هي وجهة المسلمين وقبلتهم في مشارق الأرض ومغاربها في عبادتهم وصلاتهم، فإنّ المسجد الأقصى هو بوصلتهم الحقيقية التي تحدد مسار الأمة، وبها يقاس عمق إيمانهم وصدق توجههم. فالكعبة هي رمز العقيدة والإيمان، والقدس رمز التصديق والعمل، ولا يكتمل إيمان المرء بواحدة منهما دون الأخرى، فمن أراد أنْ يُثبت صِدق عبادته وتوجهه إلى الكعبة، عليه أنْ يُترجم هذا الإيمان في عمله لنصرة فلسطين والمسجد الأقصى، وما كانت معركة طوفان الأقصى إلّا ترجمة حقيقية لهذه العقيدة. فكما يجتمع المسلمون في مكة لأداء مناسك الحج، يوحدهم لباس واحد، وتلهج ألسنتهم بدعاء واحد؛ عليهم أن يجتمعوا ويتحدوا على نصرة ودعم وإسناد أهل غزة كل مِن موقعه ومكان تأثيره.

الرسالة الثالثة: المسجد هو المنطلق؛ حيث إنّ التركيز على ذكر المسجد وما يتعلق به في أكثر من مشهد من مشاهد رحلة الإسراء والمعراج فيه دلالة كبيرة وواضحة على دوره في حياة الفرد والمجتمع والأمة ككل؛ فالإسراء كان من المسجد الحرام، والمعراج من المسجد الأقصى، وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه في جمع مِن الأنبياء، وفرض الصلوات الخمس على المسلمين في هذه الحادثة؛ فيه دلالة على أن المسجد هو المنطلق، فيه ينشأ الفرد تنشئة إيمانية، وتعقد دروس وحلقات العلم، ومنه يتخرج الرجال، وتسير كتائب المجاهدين، ولقد لاحظنا أثر المسجد، وحلقات القرآن الكريم، على صناعة الرجال الذين غيروا مسار التاريخ في غزة هاشم، ولهذا ركّز الاحتلال في حربه على قطاع غزة على هدم المساجد، فلم يُبقِ فيها مسجدًا قائما، وما ذلك إلا لمعرفته كيف صنع المسجد رجالًا رأوا بأسهم في ساحة الحرب؛ لذلك فواجب الأمة مُنصبٌّ في هذه الأيام على إعادة إعمار ما دمره الاحتلال مِن مساجد، ليبقى دورها فاعلًا في تخريج الأجيال التي على يديها يحرر المسجد الأقصى المبارك بإذن الله. 

الرسالة الرابعة: وحدة الصف، ووحدة الهدف، أساس القوة وسر النصر؛ ففي مشهد عظيم بعد أنْ حَطّ البراق في المسجد الأقصى، ورُبِط بالحلقة التي يَربِطُ بها الأنبياء جميعًا، دخل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى وصلى إمامًا بالأنبياء جميعًا، وفي هذا المشهد دلائل وعبر كثيرة؛ فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بجمع مِن الأنبياء -وكثير منهم من أنبياء بني إسرائيل- يدل على أنّ الإمامة والملكية لهذا المسجد، ولسائر أرض فلسطين انتقلت لتكون في عهدة المسلمين إلى أبد الآبدين؛ ولذلك حرص عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة على فتح بيت المقدس، لأن لهم فيه ملكًا، ولهم فيه مسجدًا، الصلاة فيه تعدل خمسمئة صلاة فيما سواه، ومِن أجله انتفض الناس، وأُسيلت دماء، وقُدمت مُهج، وفي سبيل تحريره أتى طوفان يَحمِل اسمه، ويُحمِّل الناس مسؤولياتهم تجاهه، بعد أنْ انحرفت البوصلة، وضُيِّعَت الأمانة، وفرّط القريب والبعيد، وبدأت حملات التطبيع البائس مع المحتل الغاصب. والواجب على المسلمين في هذه المناسبة أن يصححوا المسار، ويعدوا العدة، ويتوحدوا خلف راية واحدة، وهدف واحد متمثل في تحرير المسجد الأقصى، ورده إلى حاضنة الإسلام والمسلمين.   

الرسالة الخامسة: الظلم ظلمات، والله يمهل ولا يهمل، وكل نفس بما كسبت رهينة؛ حيث إن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على بعض مشاهد الرحمة والعذاب التي جلاها له الله عزّ وجل في رحلة الإسراء والمعراج فيها إشارة حري بكل إنسان أن يقف عندها مليًا، ويحدد موقفه وتوجهه، وعليه بعد ذلك أن يتحمل نتائج عمله، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًا فشر. وفيما يتعلق بأرض الإسراء والمعراج مِن هذا الجانب؛ فعلى كل إنسان أنْ يحدد موقفه مما يجري على هذه الأرض المباركة، وهما فريقان لا ثالث لهما، فإما أنْ تكون في جانب الحق، أو في جانب الباطل، وعليك إثبات مكانك بعملك، فالسكوت في هذه الحالة تأييد للظلم.

الرسالة السادسة: لا تنازل عن الثوابت، والحقوق لا تسقط بالتقادم؛ فقد كان مِن أعظم ما فُرِض على النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، فرض الصلاة، التي لا تسقط عن أي مكلّف مهما كانت الظروف والأحوال، فهي تمثل ثابتًا مِن ثوابت الإسلام التي بدونها لا يكون الإنسان مؤمنًا، وكذلك في المسجد الأقصى وسائر أرض فلسطين، فهي ثوابت لا تقبل التفاوض ولا التنازل ولا التفريط وإنْ طال الزمن، وتكالبت الأعداء، وحيكت المؤامرات لتصفيتها، فمن أجلها يُبذل الغالي والنفيس. وما قدمته غزة، وسائر مدن فلسطين على مدار أكثر من 76 عامًا من الدماء والشهداء خير برهان على التمسك بهذا الثابت، في رسالة مفادها أن صاحب الحق منتصر ولو بعد حين. هذا مِن جانب، ومِن جانب آخر، فإن الصلاة فرض عين على كل مسلم مكلف، لا يكفي أن يؤديها جماعة مِن المسلمين دون غيرهم، كذلك واجب الجهاد والدفاع عن أرض فلسطين فرض عين على كل مسلم كل بحسب قربه وقدرته، لا يقتصر على أهل فلسطين، فالنصرة والتضامن واجب الأمة جمعاء، حتى يندحر الاحتلال، وتحرر الأرض، وتعود المقدسات إلى أصحابها. فلا عذر لأحد مهما كان بُعد موقعه، وقلة أثره، فمن ترك الصلاة منكرًا فقد كفر، ومَن وقف محايدًا دون أنْ تكون له مشاركة في معركة التحرير فقد خان. 

تصنيفات :