
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:
فإذا أطللْتَ بوجهك على حال الناس يوم دخول شهر رمضان المبارك، فلسوف يشدّ انتباهك التغيّر الكبير في حركتهم في الشوارع والحارات، وفي البيوت والمساجد والجامعات؛ في النفس والفرد والجماعة، وفي الإعلام والإعلان معاً، وفي المجتمع وحركته عموما؛ ولو لم تكن عارفا بأن هذا اليوم الجديد هو أول يوم في رمضان، فستتساءل عن هذه التغيرات، ليجيبك الناس أجمعون: لقد أطلّ علينا شهر رمضان إطلالتَه الجديدة، بصورته البهيّة، وبِحُلّته القشيبة، وبعزائم أهله الجديدة؛ ها هنا ستتذكّر أن رمضان شهر الخصوصيات، وشهر التغيير؛ فإذا نظرْتَ بعَين التأمل فستقول: إن النفس التواقة للصيام ستنْقَذف فيها معانٍ أعلى من مجرد الصيام، لأن للصيام غاية هي التي ذكرها الله تبارك وتعالى في قوله: (يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، (البقرة: 183)؛ فغاية الصيام هي بلوغ النفس مدارج التقوى، وصعودُك هذه المدارجَ مقصود به أن تبلغ الغاية العليا منها، وهي الحصول على رضا رب العالمين؛ ها هنا يفعل الصيام فعله، ويكون أحد أهم مدارج التغيير بما ملَّكَه الله تعالى من قدرات على تهذيب النفوس، وتهذيب المجتمعات؛ وبما مَنَحه الله تعالى من وجود اعتباري كبير لدى المؤمنين، وأيضا لدى من يعيشون معهم وإن لم يكونوا مسلمين.
فإذا سألت عن جوانب التغيير واتجاهاته، فستراه تغييرا عاما شاملا للفرد والمجتمع بمجالاته كلها؛ بدءا من روح الفرد وأخلاقه وسلوكه، ومرورا بالإعلام حين يستشعر روح رمضان، ونهاية بحركة المجتمع في سياسته واقتصاده واجتماعه وشؤونه كلها.
أما الفرد فقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدّم من ذنبه)، رواه البخاري ومسلم وغيرهما؛ وهنا تتقدم النفس أكثر، فتَلِجُ في روح رمضان ولوجا خاصا آخر، لترى نعمة تغيير النفس تَحوط النفسَ من جوانبها؛ ها هنا يأتيك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول لك: (مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه)، رواه الشيخان في صحيحيهما؛ ها هنا، وها هنا خاصة، يطمع العبد بصعود درجات الكمال، فالخير يدعو إلى مثله، والأعمال الصالحات تتلو بعضها بعضا فيما يمكن تسميته: الولاء بين الأعمال؛ فالذي يعمل عملا صالحا، تتأسس نفسه على حب العمل الصالح، لتنفرج في نفسه انفراجة جديدة تتمثل في عمل صالح آخر؛ ثم تنفرج نفسه انفراجة جديدة، وتنـشرح انشـراحا جديدا، يتمثل هذه المرة في أعمال صالحة أخرى: صدقات ودعوات ومناجيات وتحسينات جديدة للخلق القاسي، وسلوكات وفيوضات يراها الناس على الأرض؛ فإذا صحب كلَّ هذا نيةٌ في تغيير النفس، فما أسرع ما تستجيب هذه النفس المنغلقة سابقا إلى مزيد من التغيير، ليكون تغيرها شاملا في الاتجاهات كلها.
وها هنا تتدفق النفس إلى مزيد من الصالحات، ومنها انتماء صاحبها إلى أمة تستحق الخدمة والعطاء، والمزيد من العطاء، ثم إلى ما فوق المزيد، … إلخ؛ فالأمة وقضاياها رحاب واسعة تستوعب الصلاح كله والعمل كله؛ من هنا ينطلق المسلم إلى فلسطين وسوريا ومصر وعالَم العروبة الضائع ليرفع عنه حالة الضياع؛ وإلى مشارق أرض الإسلام ومغاربها؛ ها هنا يكون المسلم في غاية الانتماء، وغاية الصدق في الانتماء، لتأخذ أمتُه منه ما تريد، بعد أن فتح لها الباب لكل ما تريد.
توقَّفْ قليلا: أنت في رمضان، شهر الأخذ والعطاء؛ والأخذ هنا هو نوع عطاء، فأنت تأخذ التوبة والغفران، وهما ذاتهما عطاء يتحوّل إلى رضا يُسبغ نفسه على الواقع ليكون عطاء جديدا؛ وإن النفس لتبدو أكثر بروزا في عالَم العطاء المتفوق؛ والعطاء هنا هو ما تنتظره الأمة وقضاياها من خدمات جليلة تتمثل في الأبواب كلها، فكلها تستحق المزيد وما فوق المزيد؛ الأمة تتلظّى بنار الفرقة والاغتصاب وضياع المقدّرات التي ينتظرها في كل مرة العمّ سام، والراقص الأكبر على جراحاتنا، ليأخذ حصتك، وليعطيها لراقصي العهر في دور اللهو؛ وليبني العمائر والمصانع ومراكز البحث في بلاده، ليدّعي عليك بالجهل، وما جهْلُك إن كان صحيحا إلا في تركك إياه يأخذ حظّك وحقّك؛ أيها الصائم، هذه الخيرات خيراتك، وهذه البلاد بلادك، فلا تدعْ غيرك يسرق خيراتها.
رمضان شهر التغير والتغيير معا، فكن أنت أحد الذين غيّرهم رمضان تغييره الإيجابي، ليبعث طاقاتهم لخدمة الأمة، لتكون متغيرا ومغيِّرا في الوقت ذاته.
الدنيا كلها يمكن أن تتغير في شهر رمضان، وأنت أيها المسلم رافع راية التغيير.
تصنيفات : قضايا و مقالات