
في ذكرى الإسراء والمعراج تظهر الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى على ضوء التحديات الجسام التي يتعرض لها مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقراءة تأملية تجديدية تتجاوز القراءة التقليدية، خصوصا مع ما نراه من الأخطار والمحن التي تتعرض لها فلسطين أرضا وشعبا، بل والأمة الاسلامية بدولها وشعوبها قاطبة، قراءة واعية متأنية، قراء ة تأملية لحركة فكرية حرة داخل حدود النص القرآني، والنبوي، والتاريخي، تكون هذه القراءة قادرة على إحداث نقلة نوعية معرفية تستجيب لأسئلة الحاضر ورهاناته وتحدياته.
والسؤال الأهم ماذا نعني بالقراءة الجديدة؟ وما حدودها؟ وما الداعي لها؟
القراءة الجديدة نعني بها تجاوز الحديث المعهود والمتكرر هل تم الإسراء بالروح، أم بالجسد، أم بهما معا.
قراءة نقديه تحليلية تفكيرية عميقة للنص والحدث، دلالاته، قراءته التاريخية في ضوء النظر للمستقبل.
قراءة تزرع الأمل في النفوس التي ضاقت ذرعا من حالة عجز الأمة وخنوعها.
قراءة تفجر طاقات الأمة من جديد لتعيد للأمة قيمتها ومكانتها، وللقدس والأقصى حريته.
حين يعرض برنامج في قنوات مصرية لكتاب مصريين وسعوديين يشككون فيها بأن الإسراء كان للمسجد الأقصى في القدس، كيوسف زيدان وغيره ممن يتساوقون مع طروحات مردخاي كيدار اليهودي وقولهم: إن الإسراء تم لمسجد كان في الطائف، أو بين مكة والطائف، وهو في الجعرانة في منى.
أو من يشكك في الإسراء والمعراج أصلا أمام النص القرآني الواضح، ليقول المغربي محمد سعيد المتخصص في مقارنة الأديان:” إن معراج محمد أمر يتعلق برؤية صوفية، قد تكون رحله مناميه كحلم، أو أسطورة معراجية كأسطورة قصة فارس قبل البعثة ب ٤٠٠ سنة، أي معراج أرتيوران، ففي كتاب فارسي أن الآلهة أرسلت ارتل ويراث إلى السماء، أي أرسلت روحه وبعد أن اطلع على كل شيء في السماء أمره أرمزد (الإله الصالح ) أن يخبر الزرادشتية بما شاهد ورأى”.
ويقول:” لم يكن في عصر البعثة مسجدا بل كان ركاما وحطاما لهيكل لم يبق له( نبوخذ نصر) أثرا قبل الميلاد ب٥٩٧ سنة”.
لننتقل إلى قراءة استشراقية جديدة تقطع حبال عقيدتنا بالسماء، حيث تقول المستشرقة البريطانية كارين :” إنها رحلة تصوف تشبه تصوف العرش عند اليهود”.
ولماذا نذهب بعيدا إلى فكر الاستشراق، ونتجاوز ما يقوله من يدعون أنهم على منهج السلف ويعتبرون أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بدعة في الدين، ولو كانت دعوة في المسجد للحديث عن دلالات الإسراء.
وإن تحدثوا عنه لا يتجاوز الحديث البحث في إثبات أو تضعيف الأحاديث المتعلقة بالإسراء والمعراج.
ولا يكلفون أنفسهم بالإجابة على الأسئلة الملحة والمهمة التي يفرضها النص القرآني أو الحديث النبوي، من مثل: لم كان الإسراء إلى بيت المقدس في القدس؟ ولم لم يكن المعراج مباشرة من المسجد الحرام؟ وماذا يعني الربط بين المسجدين؟ وما دلالة إمامة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالأنبياء؟ وماذا تعني الأرض المباركة في قول الله تعالى:” سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله”؟ وما الآيات المقصودة في قوله:” لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير”؟
إن القراءة التجديدية تفرض علينا المقارنة بين حالة الكرب التي نعيشها في الأرض المباركة، وبين المحنة التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءتنا التاريخية لطرد أهل الطائف للنبي صلى الله عليه وسلم وضربه حتى سالت الدماء الشريفة منه.
ثم توجهه إلى السماء وكأنما يقول لنا: افعلوا مثلي، وقولوا قولي: اللهم إني أشكوا إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني؟! إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، أنت ربي ورب المستضعفين.
لنقرأ من جديد أنه بعد كل محنة منحة ربانية، حدودها “لنريه من آياتنا”، قوتنا وقدرتنا فوق كل قوة وقدرة، لا تقاس بمادة، ولا معيار إلا معيار واحد “إن معي ربي سيهدين”.
ثم يكون الإسراء الي بيت المقدس؛ ليحمل دلالات وقراءات وتصورات وتنبؤات.
إلى أين الإسراء؟ إلى بيت المقدس!
من يحكمه؟ أقوى دولة في العالم.
وماذا يعني هذا؟ أن المحن تتحول إلى منح؛ فحدود دعوتكم ورسالتكم ليست مكة ولا الطائف، بل حدودها العالم بأسره. وبدايتها أنكم تنتصرون على أقوى دولة في العالم، إنها الروم التي تحكم الأرض المقدسة، وهي ليست أهلا لذلك، بل أنتم الأهل قال تعالى:” وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم”. أي اختاركم لتقودوا العالم وتحكموه بالعدل ،وتحرروا البشرية من الظلم والقهر.
ثم تأتي الإمامة بالأنبياء، لتقول لكم كما بيّن الإمام الغزالي: قد ظلت النبوات دهورا طوالا وقفا على بني إسرائيل، وظل بيت المقدس مهبط الوحي الوطن المحبب إلى بني اسرائيل، أما بعد الإسراء، فلا! فقد تم انتقال القيادة الروحية في العالم من أمة الى أمة ومن بلد الى بلد، ومن ذرية إسرائيل الى ذرية إسماعيل عليهما السلام. إنها قيادة العالم بالرسالة، قال تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا.
فقد اشتملت الإمامة بالأنبياء على معان وإشارات حكيمة بعيدة المدى، وهي خط فاصل من الناحية المحلية المؤقتة إلى الشخصية العالمية الخالدة.
أما الربط ببن المسجدين فإنه يحتاج إلى تأمل وتدبر آخر. أمر فهمه بنغريون حين قال:” اليوم ندخل القدس ونحن في طريقنا إلى يثرب”.
وغولدا مائير حين وقفت على خليج العقبة قائلة:” إنني أشم رائحة أجدادي في المدينة والحجاز، وهي بلادنا التي سوف نسترجعها”.
أيعقل أن يفهم هؤلاء دلالة الربط بين المسجدين ولا نفهمه نحن؟
إن ما يقرره فهم النص برؤية تجديدية أن الله تعالى ربط بين أول مسجد بني لعبادة الله، وبين ثاني مسجد بني لعبادة الله، كما ورد في الحديث الشريف كم بينهما؟ قال:” أربعون عاما”.
ربط بين مهد رسالة الوحي ممثلا بالكعبة وبنائها على يد آدم أو الملائكة لتكون مركز التوحيد وبين المسجد الأقصى أرض الأنبياء ومركز الحفاظ على رسالة التوحيد، فإن كان بيت المقدس تحت حكم الطغاة والظلمة فإن رسالة التوحيد ومركزها مكة في خطر.
أما بركة الأرض المقدسة فقد علمها نابليون فرنسا، وإلنبي بريطانيا، وأحبار الصليب وكهنته في أوروبا عندما شنوا حرب الصليب واحتلوا بلاد الشام، وكذلك فهم التتار، فهم الجميع أن قيادة العالم لا تكتمل إلا بقيادة القدس، وأن من يسيطر على القدس يحكم العالم، لكن ما يريده النص أن تكون قيادة العالم قيادة وحي ورسالة نبوة لتحقق العدل والإنسانية.
وما نفهمه من استقراء النص أن هذا حكم إلهي وليس بشريا، وأن هذه الأرض تفرض قدسيتها أنه لا يعمر فيها الظلمة وأنها تطوي حكمهم للأبد، فكما طوت حكم الرومان والفرس، وحكم الفراعنة والآشوريين والبابليين، واليونان والتتار والفرنسيين والإنكليز وأوروبا الصليب ستطوي حكم اليهود والإمريكان من جديد.
نعم هكذا تكون قراءتنا التجديدية لحادثة الإسراء، نصرا وقوة وعزة وإرادة وقيادة من جديد للبشرية بعد تحريرها من الطواغيت.
تصنيفات : قضايا و مقالات