
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله عز وجل قد فرض علينا عبادة الصيام، كما فرضها على الأمم السابقة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وهذه العبادة لها حكم ومقاصد كثيرة، من أهمها تحقيق التقوى والتقرب إلى الله تعالى. كما أن رمضان فرصة للتغير وتهذيب النفوس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَه).
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على إخلاص النية في عبادة الصيام، وصدق التوجه إلى الله تعالى، فقال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)؛ وذلك لأن الصيام عبادة جماعية فيخشى أن تتحول إلى عادة اجتماعية؛ كما هو الحال عند الكثيرين، فتجد البعض أتى بالطاعات في رمضان للتقليد والتماشي مع الجو المحيط الذي دفعه للصوم والصلاة، بينما قلبه لم يستشعر حقيقة القرب من الله ولم يختلِ بمولاه في دعاء ولا قيام، كما تجد من يهتم بالمظاهر كتزين البيوت، والإعداد للسهرات، ومتابعة المسلسلات، وغيرها من الأمور، ويغفل عن الجوهر والمقصد الذي شرع من أجله الصيام، وهذا الحال منتشر وشائع في كثير من المسلمين الذين لم يتربوا إلا على ظاهر العبادات دون فهم لبها ومقاصدها، فاعتادوا التعامل مع العبادات المفروضة كقائمة من المهام اليومية التي ننهيها لنستريح منها ثم نفرغ للحياة الدنيوية دون تحقيق المقصد والحكمة التي شرعت لأجلها.
ومن أهم الحكم التي فرض لأجلها الصيام، تحقيق التكافل الاجتماعي؛ فرمضان فرصة ذهبية لتعزيز التكافل الاجتماعي وتجسيد تعاليم الإسلام على أرض الواقع، ليصبح كل فرد لبنة في بناء مجتمعٍ قوي ومترابط؛ فرمضان فرصة لبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، وتفقد الفقراء والأيتام، وذلك بالصدقات، والجود بالخيرات، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم من أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى ينسلِخَ ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ.
لقد جاءنا شهرنا المبارك هذا وما زلنا نرزح تحت نير هذا المحتل الغاصب، وقد تقطعت بالناس السبل، وضاق بهم الحال، وهدمت بيوتهم، وهجروا من ديارهم، وهنا يبرز معدن الناس في البذل والعطاء، والجود والسخاء، والإيثار، وتفقد المحتاجين والمعوزين، قال تعالى:(وتعاونوا على البر والتقوى) وقال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) فلنري الله من أنفسنا خيرا، ولنبذل من أموالنا في سبيل الله، ولنجعل من رمضان فرصة لتغير حياتنا وحياة الآخرين ولنبني جسور المحبة والعطاء، ونحقق التكافل الاجتماعي بأبهى صوره.
تصنيفات : قضايا و مقالات