غزة أَرْوَت العَالَم كَرامة تموت عَطَشاً، د. محمد كنعان
يناير 31, 2025
للمشاركة :

من المعلوم بالضرورة أن البشرية جمعاء تبحث عن الحق والعدل الذي تسعى الإنسانية دوماً لتحقيقه ألا وهو التكريم الذي وهبه الله للإنسانية جمعاء ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر) {الإسراء ٧٠}

فالإنسان عزيزٌ كريم مادامت إنسانيته مُكَرّمَة، وهذه قاعدة ثابتة جاء بها الإسلام العظيم فأعطى لكل ذي حقٍ حقه وحرّم الظلم بين الخلائق كلها، حتى وفي عالَم الدّواب والحيوان! فالشاة الضعيفة أمام الحَكَم العَدل تأخذ حقها من الشاة النطيحة فقد صح في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله:( لتؤدُّنَّ الحُقوقُ إلى أَهلِها يومَ القيامةِ، حتَّى يُقتَصُّ للشَّاةِ الجَمَّاءِ، مِنَ الشَّاةِ القَرناءِ بِنَطحِها) أخرجه مسلم (2582) بلفظ مقارب.

وفي موضعٍ آخر فقد وجبت النار على الذي أجرَم بحق قطةٍ حين حبسها وماتت جوعاً كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض). متفق عليه.

في حين وجبت الجنة للذي أنقذ كلباً كاد يموت من العطش. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟، قال: (في كل كبد رطبة أجر) رواه البخاري.

هذي الإنسانية التي بُنِيّت عليها أحكام شريعتنا الغَرّاء. كيف لا؟ وقد حافظت غزة على إنسانيّتها وكرامتها وأبت العيش وفق منظومة العبودية لغير الله، وبقيت على حالها وما زالت تأبى أن تشتكي همها لغير الله. كيف لا وقد باتت كل عيون أهلها حارسة في سبيل الله وتفيض منها الدموع خشية من الله وحده. ففيها صفوة الحفاظ لكتاب الله وفيها نُخبة الأحرار في الدفاع والمقاومة. بلا منازع وبلا تردد ورغم الألم والجرح النازف دماً وحسرةً على ذاك التخاذل البغيض الذي حصل بحق غزة وأهلها فلا طعام ولا شراب ولا دواء ولا حتى هواء!

كله حتى يتم تركيع غزة وأهلها لغير الله، لكنها العِّزة والكرامة التي سطّرتها غزة على الميدان؛ فكانت نموذجا يُحتذى به في الصبر والثبات والنضال والتحدي.

لهذا كله انزعج العالَم المنافق والكاذب وسقطت شعاراتهم المزيفة، فلا طفلاً أنقذوه، ولا امرأة ناصروها، ولا مُسِناً راعوه، ولا مريضاً عالجوه، ولا جائعاً أطعموه، ولا ظمئاناً سقوه.

هنا الفيْصَل والحقيقة التي يجب أن تُقال: إن غزة أَبَت أن ترفع الراية البيضاء، وبقيت متمسكة بعزتها وكرامتها وعلّمت العالم معنى الكرامة وأروّت الأمة كرامة، فقوبلت بحرمانها من الماء.

أيها المؤمنون الكرام …

قد يظن البعض أننا لن نُسأل أمام الله عن هذا المشهد! بلى ورب الكعب ستُسألون! كلٌ وفق مسؤوليته، فكما قال عليه السلام: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) “حديث صحيح”. ولا يخفى على أحد ما هو الحال الذي عليه غزة وأهلها في هذه الظروف، فإن قلنا الحصار؟ قُل: بلى! وإن قلنا الجوع والعطش؟ قل: بلى! وإن قلنا حرب الإبادة؟ قلنا بلى! ولا مثيل لها. فالثبات الثبات يا غزة، والعون العون يا عموم المسلمين ويا شعب فلسطين.

حتماً ستضع الحرب أوزارها وسيفرح المؤمنون بنصرٍ من الله، وسيندم المنافقون والمقصرون والمتخاذلون على كل لحظة قصّروا فيها بحق غزة وأهلها. فالحذر الحذر أن تقبل لنفسك أن تكون في عِداد المتخاذلين. بل اجعل من نفسك مؤمناً صادقاً مع الله ومع إخوانك المؤمنين المستضعفين؛ فالمؤمن للمؤمن يشد بعضه بعضاً، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، والفرج قريب بإذن الله، والحق يعلو ولا يُعلى عليه، كونوا مع الحق أنصارًا، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تصنيفات :