أولوياتُ شهر الصِّيام الجُود والقرآن، أ. مُوسَى أَحْمَد إِبْرَاهِيْم خَلَايْلَه
يناير 31, 2025
للمشاركة :

يهلُّ علينا شهر رمضان المُبارك، وتهلُّ معه النَّفحات الرَّبَّانيَّة، والعطاءات المُباركات، وما ذلك إلَّا أنَّ رمضان يمثّل عبادة تربويَّة، ومدرسة عمليَّة؛ فالإنسان المُسلم يقفُ فيه كونه محطَّة من محطَّات الحياة للتَّزود بالتقوى والتَّسلح بالإيمان والقرآن؛ لأنَّ ميدان الأعمال ميدان تربيَّة، فمَنْ لم يذقْ طعمه ظلَّ حبيسَ الأَقوال، جليس التَّنظير، وفي ذلك يقول ابن الورديُّ في لاميَّته:

في ازديادِ العلمِ إرغامُ العِدى ***  وجمالُ العلمِ إِصْلَاحُ العَمَـلْ

لأجل ذلك نجدُ أنَّ حَبْرَ الأمَّة ربطَ بين الجودِ وبين تلاوة القرآن الكريم في رمضان، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ”. صحيح البُخاريّ، الحَديث: (4997).

فهل هذا الربطُ جاء مجرَّد كلام خرج من ابن عباس رضي الله عنه عفويًّا، أم أنه جاء لوصف الحال العجيب بين قراءة القرآن والجود؟ إنَّها الثانية لا شك، فقد جاء في وصف الفعال والميدان، وفيه يتولَّد من ذلك الخيرات والبركات مالا يحصى عدُّه، ويكثر نفعه، وفيه تشبيهٌ بالريح المرسلة، فهذا أمرٌ آخر ازدادَ به وجه الربط وازدانَ وتجمَّل، يقولُ ابن حجَر رحمه الله في الفتح (4/ 116)، ناقلًا عن الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: “وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ أَيْ فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”.

في شهر الصيام، العبادات متنوعة، وكلُّ مسلم يتميَّزُ بعبادة يتَّخذها شعارًا ودثارًا، فعبادة الغنيِّ وعبادة الفقير، وعبادة المربِّي، وعبادة الخَطيب وإمام المسجد، وعبادة المُصلِح، وهذه تسمَّى أولويَّةٌ وخصوصيَّة، مع أنَّ الجميعَ يشتركُ في العبادات العامَّة المفروضة، ولنا في ذلك قدوةٌ، حيث قال رسولنا مُحَمَّدٌ –صلى الله عليه وسلم-: “أَرْأَفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي الْإِسْلَامِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَقْضَاهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ”. أخرجه أبو يعلى في مسنده، الحَديث: (5763)، وصحَّحه الألبانيّ.

لأجل ذلك فإنَّ للعطاء نماذج كثيرة، نذكرُ منها:

عطاءٌ يتمثل في حلقات القرآن: ولزيادة الفائدة يجعل كتاب تفسيرٍ مرجعا؛ لكي يخرج المُسلم من حالة الروتين الاعتياديّ في كلِّ رمضان إلى حالة المذاكرة الشَّيقة الطَّيبة، قالت أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغرى(81ه): “لَقَدْ طَلَبْتُ الْعِبَادَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَا أَصَبْتُ لِنَفْسِي شَيْئًا أَشْفَى مِنْ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ ومُذَاكَرَتِهِمْ”.

عطاءٌ يتمثل في الصدقات التَّطوعيَّة: خاصَّة ما نمرُّ به في واقعنا من ظروف صعبة وأليمة، تحتاجُ إلى تكافل وتفقّد للجيران ولأسر الشهداء والأسرى والمحتاجين؛ فإنَّ الصَّدقات تُطفئ غضب الرب، حيث المُضاعفة في شهر الكرم والبذل، وفيه يشعر الإنسان بمعاناة الآخرين ممن ضاقت عليهم السبل، فتمتد إليهم الأيادي الطَّيبة بالجود، فالعطاءُ في ذاته متعة للنفس وشعور بالسَّعادة؛ فالجزاء من جنس العمل: (أَسْعِد النَّاس؛ تَسْعَدْ)، أضف إلى ذلك: فإنَّ فيه ثوابٌ عند الله I عظيم، حيثُ قال عزَّ وجلَّ: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، [سُورة البقرة، الآية: 245].

وبعضُه يكون في منح الوقت: للإصلاح بين الآخرين، خاصَّة بين الأسر الزَّوجيَّة.

وَاللهُ المُوَفِّقُ وَالهَادِيْ إِلَى سَوَاءِ السّبِيْل.

تصنيفات :