
ونحن نتفيأ ظلال شهر رمضان المبارك، تزامنا مع ما أفرزته الإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الصهيوني على أهلنا في غزة الإباء، لا بد من التذكير بواحدة من أهم الدعائم التي قام عليها ديننا الحنيف وشرعنا القويم ألا وهي ركيزة التكافل الاجتماعي، هذه الركيزة التي ذكرها الله عز وجل في أوائل ما نزل من الآيات المكية في صدر الدعوة وبدايتها قال تعالى: ” أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)” الماعون، لتكون من أهم لبنات تكوين المجتمع المسلم المترابط، فالدين ليس مجرد مظاهر وطقوس، وإنما سلوك للعمل الصالح، التي تصلح به حياة الانسان على هذه الأرض، والدين هو ذلك المحرك الذي يدفع المسلم إلى رعاية المعوزين وقضاء حوائجهم وتأمين احتياجاتهم، ولذلك جاء الوصف النبوي الشريف للمجتمع المسلم المتكافل بقوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. متفق عليه واللفظ لمسلم، ولم يجعل الإسلام دفع المال للمعوز نافلة أو منًا وإنما جعل ذلك فرضًا وحقًا ثابتًا في مال الغني مصداقًا لقوله تعالى: ” وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)” الذاريات، وإن كان التكافل في الظروف العادية والأوضاع المستقرة محمودًا ومطلوبًا فإنه يصبح آكد في النكبات والحروب كما آل إليه الوضع في غزة الآن، وقد سطر جيل الصحابة خير القرون الذي رباهم النبي – عليه السلام- أسمى أنواع التكافل من خلال الجود بكل ما يملكون، خاصة في أوقات العسرة، والأزمات، والجوائح.
وإن كان التكافل سمة فطرية في المجتمعات المترابطة كما كان الحال في بني هاشم رغم جاهليتهم عندما تكافلوا مع النبي – عليه السلام- في شعب بني طالب ضد بطش قريش وعنجهيتها، فكيف يجب أن يكون إذا كان هذا المجتمع مسلما يتعرض لأبشع حملة إبادة جماعية في التاريخ الحديث، ألا يصبح التكافل أولى وأدعى؟ أما آن لنا أن نجود بكل ما نستطيع لإغاثة أهلنا في غزة العزة وألّا نبخل عليهم بغالٍ أو نفيس؟ ألا يحرك نفوسنا للبذل والعطاء قول النبي – عليه السلام – المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة” رواه مسلم؟ كيف نرضى لأنفسنا ألّا نتكافل مع جسدنا المكلوم في غزة ونحن نرى تكافل أهل الباطل مع أعدائنا وإمدادهم بكل صنوف الدعم المالي والعسكري والاقتصادي؟
فلنشمر عن ساعد الجد ولنبذل كل ما نستطيع ليكون رمضان هذا العام موسم الخير والإعانة والتكافل فقد كان رسولنا عليه السلام أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، فلا يوجد مكان في المعمورة أولى في التكافل والتعاضد الآن من أهل غزة، الذين قدموا كل ما يملكون من مهج وأموال ومساكن فداء للأقصى وفلسطين، فهنيئا لكل من يوفقه الله ليبادر ويقدم من ماله ليغيث ملهوف فيطعم جائع، أو يمسح آلام يتيم، أو يسكن ألم معوز مريض، أو يلبي أهات أرملة، أو يعالج جريح مكلوم، هنيئا لمن يجمع مع ثواب الصدقة والصلة، ثواب الجهاد والرباط، مصداقاً لقول النبي – عليه السلام -: ” مَنْ جهَّزَ غَازِيًا في سبيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، ومنْ خَلَفَ غَازيًا في أَهْلِهِ بخَيْر فَقَدْ غزَا” متفق عليه. بل لعل أنسب مصطلح يطلق الآن على فعل التكافل في غزة مصطلح الجهاد الأكبر تيمنا بالأثر الوارد” رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر” ولا يقصد من نعته بالأكبر هنا التقليل مما سبقه، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، وإنما المقصود بالتبعات فأثناء القتال تقل التبعات الدنيوية من الاهتمام بالمأكل والمشرب والمأوى ويتعلق القلب بالشهادة وما أعده الله عز وجل للمجاهدين فيتملك المسلم الزهد والإيثار، بينما عند انجلاء غبار المعركة تعظم التبعات ولا بد من تأمين المأكل والمشرب والمأوى والعمران الذي يثقل الكاهل ويظهر الحرص والأثرة.
تصنيفات : قضايا و مقالات