رمضان مائدة الفقراء ومأدبة المساكين، د.عمار توفيق أحمد بدوي
مارس 1, 2025
للمشاركة :

من فيوضِ البركةِ الربّانية في شهر رمضان؛ تلك الموائد التي بسَطَ أكنافَها، ومدَّ أطرافَها؛ مائدة الفقراء، ومأدبة المساكين. ويبسط المحسنون أيديهم بالنفقة في هذا الشهر الكريم، يتلمّسون مواجعَ الفقراءِ، وأنّاتِ الضعفاء. وضَرَبَ النبيُّ e مثلاً يُقتدى، وأُنموذجاً يُحتذى في هذا الشهر الكريم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ» ([1]). فالريحُ مرسلةٌ بالعطاء.

فضل إطعام الطعام:

     إطعامُ الطعام أمرٌ ندب الشرع إليه، والإطعام في الجوع؛ وهو المسغبة، لليتيم الذي ليس له أقارب، أو للمسكين الذي ليس له أحد، فشبه حاله بالملتصق بالتراب. قال I: ”  أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)” [سورة البلد:14-16].

وقال رسول الله e: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ بِسَلَامٍ»([2]). فالإطعام من الصالحات؛ تسعى بصاحبها إلى أبواب الجنة؛ ليرتقي في درجاتها. قال أبو سليمان الداراني: “لو أنّ الدنيا كلها لي فيها لقمة، ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فيه”([3]).

الإطعام فدية تسدّ مكان عبادة الصيام:

     ولترسيخ مفهوم الإطعام، ودفْعِ المجتمع إلى استيعابه، سنّ الشرعُ له أحكاماً؛ تسدّ مسد العبادة، وأي عبادة؟ إنها الصوم؛ فالصوم على جلالة قدره، فإنّ المسلم إذا عجز عن أدائه، فإنّ الذي يَجْبُرُ هذا الضعف، ويسدّ الخُلةَ؛ هو الإطعام؛ إطعام مسكين عن كلِّ يوم يفطره، وعجز عن قضائه.

الإطعام كفارة لمن ارتكب بعض المخالفات الشرعية، أو انتهك حرمة من الحرمات:

     وعلى طريق التشريع الحكيم؛ نرى أنّ الشرْعَ المُطهَّر؛ جعل إطعامَ الفقراءِ، والمساكين، كفّارةً لمن ارتكبَ بعضَ الجنايات، أو انتهك بعض الحرمات. وكلُّ ذلك سياسةٌ شرعية؛ لأنْ يكونَ الإطعامُ أساساً ثابتاً، وعموداً قائماً، ترفع فوقه ألويةُ الخير، والعطاء.

     وبلغت الفديةُ إطعامَ مسكين واحد، وبلغت الكفارة إطعام عشرة مساكين،  ووصل بعضها إلى ستين مسكيناً.  على سبيل المثال كان الإطعامُ كفارةً لمن حلف يميناً شرعياً، وحنث في يمينه.

الامتناع عن إطعام المساكين من التكذيب بالدين:

     فمن التكذيب بالدين، أن يُمتنع عن إطعامِ المساكين، وعدم الحضِّ على إشباع جوعتهم، عدَّ الشرعُ إطعامَهم من أصول الدين.قال I:﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾   [سورة الماعون:1-3].

الامتناع عن إطعام الطعام سبب في العذاب في الدنيا والآخرة:

     ضرَبَ القرآن الكريم مثلاً، بأولئك الضانين بلقمة الخبز على المحتاج، والذين تحشْرجَ المالُ في حلوقهم، وأجلى مثلٍ لهم ما حدّث عنه القرآن الكريم في سورة “القلم” من قصة أصحاب الجنة، كيف كان أبوهم يطعم الفقراء، والمساكين، فورثها أبناء تعاهدت الشرورُ في نفوسهم ألاّ يطعموا فقيراً، فاحترقت بساتنهم.

  تفطير الصائمين.

     عن زيد بن خالد الجهني t قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ “([4]).

الإفطار مع المساكين.

     كان النبي r إذا أكل، أحب أن يشاركه الصحابة في أكله، فإن لم يجد أحداً؛ بحث عن مشارك له، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ عِنْدَ السُّحُورِ: «يَا أَنَسُ إِنِّي أُرِيدُ الصِّيَامَ، أَطْعِمْنِي شَيْئًا»، فَأَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ وَإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ، فقالَ: «يَا أَنَسُ، انْظُرْ رَجُلًا يَأْكُلْ مَعِي». واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً؛ فوضع بين يديه عند فطوره؛ فسمع سائلاً يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال: عبدٌ معدمٌ من الحسنات. فقام وأخذ الصحفة؛ فخرج بها إليه؛ وبات طاوياً([5]). وكان الحسن t يُطعم إخوانه؛ وهو صائم تطوعاً، ويجلس يروّحهم؛ وهم يأكلون([6]).

     وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين، كان يعدهما لفطره، ثم طوى، وأصبح صائماً([7]).

     فهذا هو شهر الخيرات، ومائدة الفقراء، ومأدبة المساكين؛ فليجد كل محسن مكاناً له بين مَنْ أحب رسول الله r العيش معهم، وأن يكون في زمرتهم الكريمة. 


([1]) صحيح البخاري. كتاب بدء الوحي. باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله e.

([2]) سنن ابن ماجه. كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب ما جاء في قيام الليل.

([3]) ابن أبي الدنيا، عبد الله بن محمد: الإخوان. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية. 1409هـ/1988م. ص245.

([4]) ابن حنبل: مسند أحمد. ج5ص343. وانظر: ابن حبان: صحيح ابن حبان. كتاب البر والإحسان. باب إفشاء السلام وإطعام الطعام. رقم الحديث509. ج2ص262.

([5]) ابن رجب: بغية الإنسان في وظائف رمضان. ص31.

([6]) ابن رجب: بغية الإنسان في وظائف رمضان. ص31.

([7]) ابن رجب: بغية الإنسان في وظائف رمضان. ص31.

تصنيفات :