
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإنّنا بين يدي شهر كريم، شهر عبادة وطاعة وخير وجود وعطاء، يهلّ علينا هذا الشهر بشعائره وعاداته، ومواقفه وذكرياته، وجدير بكل واحد منّا أن يتأملها.. ويتذكر معها وفيها غزة وأهلها..
فمع صيام كل يوم.. ومع كل شعور بالتعب والمشقة.. لا تنس غزة.. غزة التي تصوم رمضانها الثاني وهي في جهد وتعب ومشقة متواصلة لأكثر من خمسة عشر شهرا.. ولكنها ما كلّت ولا ضعفت ولا هانت.. وهي تمسح على وجعها بقول الله تعالى: ((وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) [آل عمران:139] وقوله سبحانه: ((فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ)) [آل عمران: 146]
فلا تنس غزة.. وكن أنت في هذا الشهر العظيم راحة تعبها.. وسند ضعفها.. وشفاء جراحها.. ومأوى أهلها..
ومع كل اجتماع على وجبة سحور أو فطور.. لا تنس غزة .. حيث أصبحت كلمة “اجتماع” لكثير من أهلها حلما.. ووجبة الطعام دونها شق الأنفس..
فلا تنس غزة.. وكن أنت اليد التي تمتد إليها فتكفيها وتغنيها.. والروح التي تسري فيها فتحييها وتقويها..
ومع كل دعاء بـ ((ذهب الظمأ وابتلّت العروق)) [سنن أبي داود].. لا تنس غزة.. غزة التي عطشت وجفّت عروقها.. وأمّة كاملة أعجزها القعود عن إذهاب ظمئها.. وريّ أهلها..
فلا تنس غزة.. وكن أنت ماءها العذب الزلال.. واجعل لك فيها “بئر رومة”.. لعلك تبلغ بها ما بلغ عثمان رضي الله عنه: عينًا في الجنة.
ومع كل غدوة وروحة للمسجد.. ومع كل صلاة جماعة أو تراويح.. لا تنس غزة… حيث مساجدها قد دُمّرت.. ومآذنها قد هُدِّمت.. ومصلّوها بين شهيد وجريح ونازح..
فلا تنس غزة.. وكن أنت حجر بنائها.. ورافع مآذنها.. وجامع شملها.. لعلك تفوز بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلهِ تَعَالَى بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)) [صحيح مسلم]
ومع كل صلة لرحمك وأقاربك.. لا تنس غزة.. غزة التي قَطَعَها أرحامُها حتى غدت وحيدة حزينة لا يخفِّف عنها إلا ما سمعته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يضرهم من خذلهم)) [متفق عليه]..
فلا تنس غزة.. وكن أنت نصيرها.. والذابّ عن عرضها.. وخذّل ما استطعت عنها..
ولا تنس غزة..غزة التي تقطعت الأرحام بين كثير من أهلها.. تارة بالموت والشهادة.. وأخرى بالأسر والفقد وانقطاع الأخبار.. وثالثة بالنزوح وانعدام المأوى..
فلا تنس غزة.. وكن أنت واصل رحمها.. وكافل أيتامها.. والساعي على أراملها.. قال صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا). وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئا)) [صحيح البخاري].. وقال صلى الله عليه وسلم: ((السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [متفق عليه].
ومع كل ذكرى معركة فاصلة وقعت في رمضان.. مع ذكرى بدر وعين جالوت.. لا تنس غزة.. غزة التي “تحزّب” عليها ظلمة العالم ومجرموه أجمع.. “فتخندقت” بالإيمان والصبر والثبات.. حتى نجّاها الله تعالى وأيّدها بنصره: ((جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ))[يوسف: 110].
فلا تنس غزة.. واجعلها في وجدانك وعقلك.. وانثر بطولتها وشجاعتها وعزّتها بين الناس.. لعل النفوس تحيا.. ولعل الضمائر تستيقظ.. ولعل القلوب والعقول تعي: ((َأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)) [ٌمسند أحمد]، وأنه لن يغلب عسرٌ يُسرَين: ((فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)) [الشرح: 5-6].
فوالله ما هانت غزة على الله.. ولكن هان من خذلها وتخلّى عنها وتآمر عليها.. هان من آثر الدنيا على الآخرة..هان من ألقى بنفسه إلى التهلكة فترك الجهاد في سبيل الله.. هان من تمسّك بـ ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)) [البقرة:183] وجعل خلف ظهره: ﴿((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)) [البقرة: 216] : ((أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)) [البقرة: 85].
ووالله ما هي إلا أيام معدودات.. طالت أو قصرت.. قربت أو بعدت.. فكل آت قريب.. حتى ينقشع الضباب.. ويتجلى الحق كالشمس في رابعة النهار.. فيندم من خان غزة ولات ساعة مندم: ((فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ)) [المائدة: 52]
تصنيفات : قضايا و مقالات