روحانية رمضان، أ. محمد راضي رواجبة
مارس 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ فالصوم عبادة السادات، وعبادة السادات سادة العبادات، وأحلى أعطيات الصوم وأغلى معانيه الإخلاص، والإخلاص تجرد وخلاص.

معاشر المسلمين:

أقبل علينا سيد الشهور فمرحبا به وأهلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: “اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان” رواه الطبراني.

واليوم نستقبل شهرنا العظيم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، شهر الصيام والذكر، شهر التوبة والغفران، شهر العزة والكرامة، فكم من آمل أن يصوم هذا الشهر ففاجأه أجله فسار قبله إلى ظلمة القبر، كم من مستقبل يوم لا يستكمله ومؤمل غداً لا يدركه.

كم كنت تعرف ممن صام في سلف        من بين أهل وجيران وإخوان

أفناهم الموت واستبقاك بعدهم          حيا فما أقرب القاصي من الداني

أيها الأحد عشر شهرا !! ظلت تجري بسرعة عجيبة في دهشة وذهول من العاقلين، وغفلة ومجون من اللاهين، “قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين، قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسأل العادين ” [المؤمنون: 112-113] هكذا تطوى الليالي والأيام، وتنقضي الشهور والأعوام، والعاقل اللبيب من يفكر ويعتبر بتلك الأيام التي عاشها والليالي التي قضاها، نعم هي ماض تركه خلفه لن يعود، لن يعود مرة أخرى، لكنه يسجل عليك فالله تعالى يقول: “هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ” (الجاثية 29 )

معاشر المسلمين:

إن رمضان جاءنا اليوم وفي الأمة تعساء يستقبلونه على أنه شهر، جوع نهار وشبع ليل، نوم في الفراش إلى ما بعد العصر، وسمر في الليل إلى الفجر، تراهم ذئابا في الليل جيفا في النهار، جعلوا من رمضان موسم طرب وسهر ودعايات وقنوات، إنهم يقتلون رمضان ويفسدون حلاوته وطعمه، حُرموا وحَرموا غيرهم من جمال رمضان وروعة الحياة فيه، عبادة للبدن والجسد بنزواته ولذاته، وأسر للروح والعقل، مساكين هؤلاء.

لقد كان لرمضان عند سلفنا الصالح طعم خاص ولذة عجيبة في نفوسهم رضوان الله عليهم، فهو يبعث في نفوسهم قوة الإيمان والشجاعة والعزة والكرامة، ولهذا كانت أكثر غزوات المسلمين ومعاركهم في رمضان. لماذا؟ نعم لماذا؟ اسمع الإجابة، إنها حياة الروح حتى وإن كانت البطون خاوية والشفاه يابسة، فالحياة حياة الروح، حياة القلب، حياة الانتصار على النفس وعلى الشهوات، ومن انتصر على نفسه انتصر على الأعداء.

والروحانية التي لا يعرفها إلا الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وهذه هي الروحانية العجيبة التي نحياها في رمضان، روحانية صائم، بذرها بالجوع وسقاها بالدموع وقواها بالركوع وحسنها الخشوع والخضوع، روحانية الصائم، فيها من الحنين لجنات النعيم ما تورمت له أقدام المتهجدين، وبذل له الثمين، وسُمع له الأنين. روحانية صائم، تخلصت من أسر الهوى والشهوة وحيل النفس والشيطان.

فكيف السبيل لهذا النعيم؟ كيف نصوم وكيف نقوم لنجد ما وجد أولئك الرجال؟

فالغاية الأولى والهدف الأسمى من صيام رمضان هو إعداد القلوب للتقوى ومراقبة الله، إعداد القلوب لخشية الله .

شهر رمضان هو شهر الروحانية والتقوى، إذ تتجلى فيه أسمى معاني القرب من الله عز وجل.

يتميز هذا الشهر بالعبادة والطاعة، فيجد المسلمون فيه فرصة لتعزيز علاقتهم بالله من خلال الصيام، والصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر.

أبرز مظاهر الروحانية في رمضان:

  1. الصيام والتقوى: الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب للنفس على الصبر والإخلاص، مما يرفع من مستوى التقوى والخشوع.
  2. قيام الليل (التراويح والتهجد ): صلاة التراويح والتهجد تزيد من القرب من الله وتعزز الإحساس بالطمأنينة والسكينة .
  3. تلاوة القرآن: رمضان هو شهر القرآن، إذ يتسابق المسلمون في ختم المصحف والتدبر في معانيه .
  4. الدعاء والاستغفار: لحظات الإفطار والسحور هي أوقات مستجابة للدعاء، مما يجعل الإنسان أكثر اتصالا بالله .
  5. الصدقة والإحسان: يزداد الشعور بالفقراء والمحتاجين، مما يدفع المسلمين إلى التصدق والبذل .
  6. الاعتكاف: في العشر الأواخر من رمضان، ينعزل البعض في المساجد للعبادة والتأمل الروحي .

وأثر الروحانية في رمضان:

الراحة النفسية: يشعر الصائم بالسكينة والطمأنينة، إذ يبتعد عن ضغوط الحياة المادية.

التجديد الإيماني: يخرج المسلم من رمضان بروح جديدة، ونفس متجددة مليئة بالإيمان.

تقوية العلاقة بالله: من خلال العبادات المكثفة، يتقرب المسلم أكثر من خالقه.

رمضان ليس مجرد شهر عادي، بل هو محطة إيمانية تعيد الإنسان إلى فطرته الروحية، وتمنحه فرصة للارتقاء بروحه وسلوكه.

وأخيرا: السلام عليك يا شهر الصيام، السلام عليك يا شهر القيام، السلام عليك يا شهر الايمان، السلام عليك يا شهر القرآن، السلام عليك يا شهر الانتصار، السلام عليك يا شهر المغفرة والغفران .

اللهم اجعلنا ممن قبلت صيامهم وصلاتهم، ونور بصائرنا بنور قرآنك

اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

تصنيفات :