ليلةُ القدر، فضيلةُ زمانٍ، ورسالةُ صمود، د. أكرم عوض شحادة الشويكي
مارس 1, 2025
للمشاركة :

تمر الأيام والسنوات سريعاً أمام أعيننا، ويظن البعض أنها زيادةٌ في الزمن والعمر، ولكنها في الحقيقة تأكل من أعمارنا بهدوء، فكل يومٍ يمضي يُقربنا من أجلنا، ونقترب من الحقيقة التي ينبغي أن ينتبه لها الجميع، وأن يستعد لها خير استعداد، مُستغلاً المحطات الايمانية التي أكرمنا الله بها خلال أيام العام، والتي قد يكون من أجلها وأفضلها ليلةُ القدر  المباركة.

هذه الليلة  التي لا تضاهيها ليلة أخرى أبداً، ليلةٌ ليست ككل الليالي، فكل ساعةٍ  فيها غالية وكل دقيقة فيها ثمينة، ولا نجاوز القول إذا قلنا أن كل طرفة عين فيها تساوي الأجر الكثير والله يضاعف لمن يشاء.

هي ليلةٌ خصها الرحمن بفضلٍ عظيم، وجعلها تساوي في ميزان عطائه وكرمه كألف شهرٍ في ميزان الناس وحساباتهم فقال تعالى ﴿ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، خير من ألف شهرٍ في إحيائها  صلاةً وذكراً لله تبارك وتعالى، خيرٌ من ألف شهرٍ تلاوةً للقران الكريم، خير من ألف شهر بذلاً وعطاءً للمعروف والعمل الصالح، وأضف على ذلك أجر الرباط في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس والله يضاعف لمن يشاء.

هي ليلةٌ يُفرق فيها كل أمر حكيم، كما قال تبارك وتعالى في كتابه العزيز، أي أن الله يُقدر فيها مقادير الخلائق على مدار العام، ويكتب الأحياء والأموات، والناجين والهالكين، ومن كتب له السعادة أو الشقاء، ومن سيمر عليه العام عزيزاً أو ذليلا، ومن المنتصر ومن المهزوم، فقد قال تعالى: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.

وهي ليلة تتنزَّل فيها الملائكة برحمة الله وسلامه وبركاته، ويرفرف فيها السلام حتى مطلع الفجر القادم، سلامٌ ورحمةٌ لكل مقهور في وطنه، سلامٌ لكل من فقد أباً أو أُماً أو زوجةً أو أبناء، سلامٌ وسكينةٌ من الله لكل من فقد بيته أو  ملجأهُ أو حتى خيمته، سلامٌ وثباتٌ من الله على كل مرابطٍ يرفض الرحيل عن أرضه رغم كل الأذى، سلامٌ وصمودٌ لكل من نصب خيمةً فوق حجارة بيته المهدوم، سلامٌ لكل طفلٍ تبعثرت كُتبه ودفاتره حول بيته المنسوف، سلامٌ لكل أمٍ تحاول إنقاذ أطفالها من غرق الخيمة التي تناثرت أطرافها في الهواء، سلام لكل أبٍ يصارع الموت بين الأزقة من أجل كسرةِ خبزٍ تُسلمُ عيون  أطفاله للنوم ولا تسد جوعهم، سلام لكل مجاهدٍ يدافع عن قدسه وأقصاه، سلامٌ وصبر لكل جريح يتألم، ولكل أسيرٍ يتوجع، ولكل مفجوعٍ يتحسر، سلامٌ  وفجرٌ  ونصرٌ قريب من الله تبارك وتعالى، ﴿ سَلَٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ ﴾.

لا تبحث عن علاماتها، ولا تجهد نفسك كثيراً في أقول العلماء وتفسيراتهم وتقديراتهم في تحديد وقتها، وإنما عليك بوصية حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك لما روته عنه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: [كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُجَاوِرُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ ويقولُ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ]، فشمر عن ساعديك في العشر الأواخر، وإلا فتحراها في الليالي الوترية وبالذات في الليالي السبع الأخيرة، وبالتحديد ليلة السابع والعشرون التي حظيت باهتمام أكثر العلماء وتقديراتهم، ولكن الاجتهاد في العشر الأواخر فيه احتياطٌ وتأكيد، حتى لا يُحرم المسلم فضلها وأجرها كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم: [إنَّ هذا الشَّهرَ قَد حضرَكُم وفيهِ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شَهْرٍ من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كُلَّهُ ولا يُحرَمُ خيرَها إلَّا محرومٌ].

وفي الختام فينبغي للمسلم أن يجتهد بالدعاء في هذه الليلة له وللمسلمين جميعاً، وأن يُلح على الله بطلب الرحمة والنصرة والثبات للمقهورين والمظلومين والمكلومين والمشردين، الذين فقدوا أرواحهم وأبنائهم وبيوتهم وكل ما يملكون فداءً للإسلام والقدس والأقصى، عسى أن ينظر الله في دعائه، واعلم أن دعائك لإخوانك المسلمين هو في الحقيقة دعاءٌ تدخره لنفسك عند الله، والله أعلم.

تصنيفات :