نحن والقرآن، أ.صالح معطان
مارس 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبسيدنا محمد صلى الله على عليه وسلم نبيا ورسولا.

أيها الإخوة الكرام أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:” شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان”. ويقول كذلك:” إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، سلام هي حتى مطلع الفجر”. فالحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على نعمة شهر رمضان المبارك، ونحن نعيش في أفياء وفي ظلال هذا الشهر المبارك، شهر القرآن، لا بد أن نقبل على كتاب الله عز وجل، تلاوة، تدبرا، فهما، علما، عملا، كما فعل صحابة رسول الله ×.

والله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه العزيز:” مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمال يحمل أسفارا، بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الكاذبين”. إن الحمار مهما حمّلناه من العلوم لا يستفيد منها، كالعيس في البيداء يقتلها الظما               والماء فوق ظهورها محمول

كتاب الله عز وجل لما أنزله الله سبحانه تعالى ليكون هدى ونورا ورحمة وروحا لهذه الأمة، “وإنه لذكر لك ولقومك” صنع منها خير أمة أخرجت للناس، ولما سألت أمنا عائشة عن خلق المصطفى × أجابت:” كان خلقه القرآن”. كان قرآنا يمشي على الأرض، كذلك صحابة رسول الله × هذا الجيل القرآني الفريد كان مصاحف تمشي على الأرض، كان جيلا قرآنيا متميزا، من رآهم فقد رأى الإسلام. وانظر كيف تعاملوا مع قضية الحجاب أو قضية الخمر، بمجرد أن نزل قول الله تعالى:” يا أيها الذين إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون”. فقالوا: انتهينا انتهينا، وبالرغم من أن ما كان عندهم من المخزون ما يشكل ثروة هائلة طائلة فلم يحتجوا أو يعترضوا أو يطلبوا مهلة للتخلص من هذا المخزون والاستفادة من ثمنه، بل حتى من رفع الإناء إلى فمه أراقه، حتى سالت أزقة وشوارع المدينة المنورة كالأنهار، لكثرة ما أريق فيها من خمر. كذلك لما نزلت آيات الحجاب، نزلت عند صلاة العشاء، لم تنتظر النساء حتى يطلع النهار فيذهبن إلى السوق ليشترين من الأقمشة ما يناسب لصنع الحجاب، وإنما عمدت كل واحدة منهن إلى ما عندها من لباس فشقته فتلفحت به، ولم تظهر أي واحدة كاشفة حاسرة لرأسها.

حينما نقرأ آيات الربا والله يعلن الحرب على المرابين، “يمحق الله الربا”، “فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله”، حينما نقرأ حديث المصطفى ×:” درهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية”، فهل نتفاعل مع القرآن الكريم كما كان يتفاعل معه المسلمون الأوائل؟ طبعا لا، فنحن بحاجة إلى أن نتدبر القرآن، أن نعقل القرآن، أن نفهم القرآن، أن نعمل بالقرآن ونطبقه في حياتنا. فهذا الشهر شهر التغيير لنصبح بإذن الله تعالى جيلا قرآنيا فريدا.

والرسول الكريم × حينما طلب يوما من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:” اقرأ علي القرآن”، فقال ابن مسعود: “أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟!” قال:” نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري”، فقرأ من سورة النساء حتى إذا بلغ قوله تعالى:” فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثا”. قال:” فنظرت، فإذا عينا النبي × تذرفان”. أمنا عائشة رضي الله عنها تسأل الرسول × حول الآية:” والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة”، تسأل:” يا رسول الله أهو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، ويخاف ربه؟” قال:” لا يا بنت الصديق، بل هو يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ربه تبارك وتعالى”. هكذا كان فهم الصحابة رضوان الله عليهم لكتاب الله.

وها هو وهيب بن ورد، أحد السلف الصالح يقرأ الآية الكريمة:” وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم”، فأثرت فيه، بكى بكاء شديدا، فلما سئل عن سبب ذلك:” هذان أعظم رسولان، يقيمان ويرفعان قواعد أشرف بناء وهو الكعبة بيت الله الحرام، ثم يخافان ألا يتقبل الله منهما”. من هذا المنطلق كان محمد إقبال رحمه الله تعالى، هذا الفيسلوف والشاعر الهندي المسلم، كان يقول:” كان أبي يعلمني وأنا صغير، ويقول: ” يا بني اقرأ القرآن وكأن القرآن عليك أنزل”. حتى بالتالي هذا القرآن الكريم يصنع أمة جيلا جعل حتى من الأمي أمة، الأمي الواحد أصبح أمة كما قال ربنا عز وجل:” إن إبراهيم كان أمة”، قرأها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال:” إن معاذا كان أمة”. وكلنا يعلم كيف صنع × بهذا القرآن أمثال أبي بكر وعمر وخالد. فنحن بحاجة ماسة إلى تتدارس القرآن، العمل بالقرآن، تطبيق القرآن.

لما انتقل الرسول × إلى الرفيق الأعلى، يذهب الخليفة الصديق ومعه الفاروق رضي الله عنهما إلى أم أيمن يعودانها كما يفعل المصطفى × فلما رأتهما تأثرت وبكت، فلما قالا لها:” لقد اختار الرسول × جوار ربه”، فقالت:” والله إني لأعلم أن ما أعد الله لرسوله خير من هذه الحياة الدنيا، ولكنني أبكي لانقطاع خبر السماء!” نحن العباد ضعاف، أنا العبد القليل الصغير، ربنا عز وجل من فوق سبع سنوات يرشدني يوجهني يأخذ بيدي! أي نعمة أعظم من هذه النعمة! فما أحرانا أن ندرك هذه النعمة.

القرآن الكريم هو الوثيقة الوحيدة التي سلمت من التحريف والتغيير والتبديل، هذه الوثيقة التي نفتخر بها، هذه الوثيقة التي يحفظها حتى ملايين الأعاجم، ولو سألت الواحد منها: ما اسمك؟ .. فإنه لا يدري ما معناها، ولكنه يحفظ كتاب الله عز وجل كاملا تاما لا يفوته منه حرف، فصدق الله تعالى:” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. وهذا الذي جعل مورسوكاي لما ألف كتابا حول التوراة والإنجيل والقرآن مقارنة بالعلوم وحقائق التاريخ، يقول:” في الوقت الذي نجد التوراة والإنجيل مليئان بالخرافات والأساطير المناقضة للعلم، فإننا لا نجد هذا في القرآن، بل القرآن أشار إلى حقائق علمية، لم نعرفها إلا حديثا”. وهذا يؤكد أنه الوثيقة الوحيدة التي سلمت من التحريف.

نسأل الله عز وجل أن يشفع الصيام والقرآن فينا، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا. اللهم آمين.

تصنيفات :