الصيام: روح ترتقي لا جسد يجوع، د. حسين بن عبد الحكم كريّم
مارس 20, 2025
للمشاركة :

   أهلنا المسلمون الصابرون المحتسبون في فلسطين، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلةٌ خير من ألف شهر، جعل الله صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعًا.

  وإن كان رمضان لهذا العام ليس الشهر الأول الذي يمرُّ على المسلمين منذ فُرض الصيام في السنة الثانية للهجرة، وسبق أن شاركنا رسول الله ﷺ في صيام تسعة رمضانات، إلا أن رمضان هذا العام يمرُّ علينا ونحن في ظروفٍ استثنائية وبلاءٍ عظيم، ونحن في أشدّ الحاجة إلى تعاوننا وتناصحنا على الخير، لذا؛ جعلت هذه الكلمات موجهة لأهلنا في فلسطين راجياً الله أن تكون بلسماً ونوراً لكل مؤمن يعيش في هذه الأرض المباركة في هذا الشهر المبارك.

رمضان والأجر العظيم:

   مع عظيم أجر الصبر على الابتلاء والمِحن، يأتي شهر رمضان محطةً إيمانية تتضاعف فيها الأجور، وترتقي فيها الروح لأعلى درجات الإيمان والإحسان؛ مما يزيد في يقين المؤمن ليكون وقودًا وحافزاً لصبره واحتسابه وحسن ظنّه بربّه وعمله في سبيل رضاه، ويكفي الصائم فضلاً أن أجره يقع على الله، ففي الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»([1]).

رمضان شهر التقوى:

   إنّ المتأمل في حقيقة هذا الشهر العظيم يمضي إلى رحلة روحية ترتقي فيها النفوس قبل أن يجوع الجسد، ساعية لرضا الله وتحقيق معاني تقواه، استحضاراً لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»([2])، ويحذر المؤمن من الصيام الأجوف، الذي لا ينال صاحبه إلا الجوع والعطش، قال ﷺ محذراً من تفريغ الصيام من روحه ومعناه: «ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ وربَّ قائمٍ ليسَ لَه من قيامِه إلَّا السَّهرُ»([3])، وقال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»([4])؛ فالغاية الأسمى من فرض الصيام تحقيق التقوى لا مجرد الزيادة في عدد المحرومين والجوعى.

نسائم القرآن:

ما أن تهب نسائم الصيام إلا وترافقها نسائم القرآن، والتراويح، والقيام، ونفحات الإيمان، كيف لا؟ ورمضان هو الشهر الذي اختصّه الله بنزول القرآن في ليلة من لياليه، جعلها الله خيرًا من ألف شهر، ومن وفّقه الله لقيامها غَفَرَ له ما تقدّم من ذنبه، قال تعالى:«شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ»([5])، وقال: «إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ»([6])، وكان النبي ﷺ يعرض القرآن على جبريل عليه السلام في كل رمضان، ففي الحديث: «كان جبريلُ يَلقَى النبيَّ ﷺ في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ فيُدارسُه القرآنَ»([7])؛ فاجعل القرآن أنيسك ورفيقك في نهار رمضان ولياليه، تلاوةً وتدبّراً وعملاً.

الصيام عبادة العمل والأمل:

حتى في أحلك الظروف، يبقى رمضان نورًا يضيء درب المؤمنين المستضعفين، وأملًا يتجدد في قلوب الصابرين، ففي شهر رمضان كانت أعظم الفتوحات والانتصارات، ولا تكفي هذه المساحة لوصف الدروس المستفادة من كون غزوة بدر الكبرى وفتح مكة في شهر رمضان، فالصيام ليس ضعفًا، بل هو شحذٌ للهِمم والإرادة، وتذكير بأن النصر يأتي بعد الصبر، والفرج بعد الشدة، والعيد والفرحة بعد انقضاء أيام الصيام والعمل المحدد والمقدّر. وهو درسٌ للمؤمنين الصابرين بأن معاناة اليوم ليست إلا مقدمة لخير عظيم، إن لم تدركه في الدنيا، فهو حتمًا في الآخرة أقرب من حبل الوتين، حصراً للصابرين المحتسبين.

ولا يكون هذا الأجر العظيم إلا بالعمل والأمل، والصبر والاحتساب، لذا وجب الكف عن بثّ الإحباط والشائعات، فمن أشدّ ما يفتك بالأمم نشر اليأس بين الناس، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكهُمْ »([8]).

فأعرِض عن ذلك كلّه، واعرِض كلامك على ميزان الشرع والعقل والحكمة، ولا تُقحم نفسك في غير تخصّصك، فربّ كلمة تقول لصاحبها (دَعْني)، فبعض الكلمات أقوى من أزيز الرصاص وصوت المدافع تهزّ المجتمع المسلم وتفتّ عضده وتقضي على تماسكه ووحدته وأمله بربّه؛ لذا جاءت الأوامر الشرعية الربّانية واضحة صارمة في هذا الباب؛ فلا يقبل المسلم خبرًا حتى يتبيّن، ولا يُشارك في نشر إشاعة، ولا يُرجف ويُثبّط، فتلك الآفات من خِصال المنافقين، ولا يَحسُنُ إسلام الشخص حتى يعرف قَدْرَهُ ويترك ما لا يعنيه، ويسأل أهل العلم والاختصاص إن كان من الجاهلين.

الصيام وواجب الوقت:

لا شكّ أنّ الصيام يوقظ الإحساس بالمحرومين، ويحثّ على التكافل، فليس من الإسلام أن يجوع جارٌ لنا ونحن نشبع، ولا أن يخاف ونحن نأمن، ولا أن يشعر بالبرد ونحن في دفء ورفاهية وبذخ وتبذير، ولا يكمل إيماننا إن كانت هذه صفاتنا قال ﷺ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ »([9]).

وفي تراثنا الفقهي العظيم: من مات جوعاً بعلم جيرانه وهم قادرون على دفع جوعه فديّته عليهم وممّا روي في ذلك: «أَنَّ رَجُلاً أَتَى أَهْلَ مَاءٍ فَاسْتَسْقَاهُمْ فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ عَطَشًا فَأَغْرَمَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّيَةَ »([10])، فكيف بمن يضِنُّ بماله عن المستضعفين، ويبخل حتى بكلمة طيبة، ويصل الأمر ببعضهم إلى منعه لغيره من فعل الخيرات، فليحذر أمثال هؤلاء من الدخول في قوله الله تعالى: «مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ»([11])، كيف حالنا إن سألنا ربّنا عن الجائعين المحرومين، الخائفين اللاجئين، الفقراء والمساكين، الحفاة العراة، الأرامل واليتامى المحتاجين! فالموفّق من كانت أعماله الصالحة ودعوات المؤمنين شاهدة له عند ربه، سابقة له في قبره.

رمضان والجائزة العظيمة:

قال بعضهم: (من عاش حياته كرمضان، كان يوم وفاته كيوم العيد)؛ فلا تكتفِ بالعبادة والرحمة في هذا الشهر، بل اجعله بداية لفتح صفحة جديدة مع الله، اجعل رمضانك هذا العام مختلفًا عن سابقه، ولا نبتغ غير رضا الله، والسير على طريقة رسوله ﷺ على أمل اللقاء به في جنة عرضها السماوات والأرض. فاجعل من شهر رمضان أنموذجًا لحياتك الدنيا، احرص على عبادة ربك فيها، ليكون يوم موتك ورحيلك يومَ عيد وفرح وسرور.

ختاماً:

أيها المسلم، إن كنت عاجزًا عن الوقوف مع المحتاجين بمالك، فليس أقل من كفّ أذاك عنهم، والدعاء لهم، ومواساتهم بكلمة طيبة.

نسأل الله العظيم بفضله وكرمه ورحمته أن يرفع ما نزل في أهل فلسطين من البلاء، وأن يوفقنا للعمل بهدي القرآن وسنة النبي العدنان.


([1]) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الصوم, باب: هل يقول إني صائم إذا شُتم (3/ 26) حديث رقم: 1904.

([2]) سورة البقرة: 183.

([3]) أخرجه ابن ماجه في سننه, أبواب الصيام, باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم (2/591) حديث رقم: 1690.

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الصوم, باب: باب من لم يدع قول الزور، والعمل به في الصوم (3/ 26) حديث رقم: 1903.

([5]) سورة البقرة: 185.

([6]) سورة القدر: 1-3.

([7]) أخرجه البخاري في صحيحه, باب بدء الوحي, كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ (1/8) حديث رقم: 6.

([8]) أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب البر والصلة والآداب, باب النهي عن قول هلك الناس (4/2024) حديث رقم: 2623.

([9]) أخرجه البخاري في الادب المفرد, باب لا يشبع دون جاره (ص:59) حديث: 112.

([10]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى, كتاب إحياء الموات, باب ما جاء في النهي عن منع فضل الماء (6/252) حديث رقم: 11851.

([11]) سورة ق: 25.

تصنيفات :