
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
لقد شرَّف الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام بأن جعلها خير أمة أُخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله وحده، ولا تخشى في الله لومة لائم. وقد جعل فيها رجالًا لا يليق بهم إلا أن يكونوا قادة وأشرافًا؛ ذلك بأنهم باعوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم وأحب ما يملكون من أجل فريضة عظيمة فرضها الله سبحانه على أهل الإسلام على وجه الكفاية، وهي فريضة الجهاد في سبيل الله، وما يلزمها من رباط في بلاد المسلمين. بل وأقام على أثر جهدهم وجهادهم ورباطهم بعضًا من كليات الدين ومقاصده الأساسية، ولعل أهمها حفظ الدين والأنفس، وما يتبع ذلك من لزوم حفظ الأوطان والمرابطة على ثغور بلاد المسلمين.
نعم! إنهم المجاهدون والمرابطون في سبيل الله، هم قناديل تضيء للأجيال طريق العز والشموخ، وطريق النصر والتمكين في بلاد المسلمين. اصطفاهم الله سبحانه ليكونوا قدوات خير في طريق الحق ونصرة أهله، فهم خير أهل الله تعالى في أرضه؛ ذلك بأنهم ضحوا ويضحون بأغلى ما يملكون من الأرواح والأنفس والأموال والمتاع والأهل من أجل رفع راية واحدة في بلاد المسلمين، هي راية “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”.
مدح الله صنيعهم في كتابه العزيز، وحث على السير على دربهم وخطاهم في كثير من الآيات الكريمة، ووصف أفعالهم بأنها من قبيل التجارة المنجية في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ“ [الصف: 10-13]. نعم، إنها تجارة الجهاد، التي لا يشقى صاحبها، ولا يخسر عبد أخلص نيته فيها من أجل الله تعالى وحده، وطمعًا فيما عنده من الأجر وحسن الثواب.
وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن طريق الجهاد والرباط في سبيل الله يؤدي بصاحبه إلى الفوز العظيم في الدنيا والآخرة، فتارة يصفه بأنه خير من الدنيا وما عليها، وتارة يبشر صاحبه بالبشرى يوم القيامة، فقال عليه الصلاة والسلام: “رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا“ [متفق عليه]. وقال أيضًا: “مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ“ [متفق عليه].
أيها الأخوة المسلمون، إذا تبين بالأدلة الشرعية الصحيحة والصريحة أن الجهاد والرباط في سبيل الله من أعظم واجبات هذا الدين، فقد وجب علينا جميعًا أن ننصر الحق وأهله بأقوالنا وأفعالنا ودعائنا وأخلاقنا، كل منا حسب استطاعته وقدرته. وفي مقابل ذلك، فإنه يحرم على كل مسلم أن ينال من المجاهدين والمرابطين في سبيل الله؛ لأن الله تعالى فضل المجاهدين على القاعدين، وزادهم درجة في الأفضلية الدينية والدنيوية والأخروية عمن سواهم.
المجاهدون والمرابطون في سبيل الله هم فرسان الميدان، وهم الأعلم والأخبر بالمصلحة العليا لما يقومون به، وما يترتب على أفعالهم من نتائج وآثار. وكما تقرر عند أهل الفقه بأنه لا يفتي قاعد لمجاهد؛ لأنهم من يقدرون الأمور، ويوزنون بين المصالح أيها أقرب لتحقيق أهداف الجهاد والرباط في سبيل الله تعالى.
فمن لم يستطع أن ينصر أهل الجهاد والرباط بنفسه وماله، نصرهم بلسانه، ومن لم يستطع بأية وسيلة جهرية نصرهم بقلبه ودعائه، وذلك من أضعف الإيمان. على أن خذلانهم ولو بكلمة طيبة أو دعاء أو قليل من عمل هو بحقٍّ شعبةٌ من شعب النفاق وموالاة أعداء الدين.
وأخيرًا، لقد جاء في أقوال أهل العلم أن لحوم العلماء مسمومة، بمعنى أنه لا يجوز النيل من أحدهم بحال من الأحوال؛ لما لهم من فضل عظيم في خدمة دين الله تعالى. كذلك فإن المجاهدين والمرابطين ليسوا بأقل ممن فرغوا أنفسهم للتفقه في دين الله وعلوم الشريعة. فالعلماء ينصرون دين الله تعالى بعلمهم وأقلامهم واجتهادات عقولهم، والمجاهدون ينصرون دين الله تعالى بأنفسهم وأموالهم وتضحياتهم، وكلا وعد الله الحسنى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تصنيفات : قضايا و مقالات