الثبات في فلسطين، أ. شهد وليد حسن
مارس 25, 2025
للمشاركة :

فلسطين أرض مباركة، وهي موطن المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وقد أخبر النبي ﷺ أن فيها طائفة من أمته ستظل ثابتة على الحق، قائمة بالجهاد والرباط، مما يجعل الثبات فيها من أعظم القربات والطاعات.

الثبات هو التمسك بالحق والاستقامة عليه في العمل والدعوة إليه، وهو من صفات المؤمنين الصادقين، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأحقاف: 13)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200).

وقد أمر النبي ﷺ بالثبات في مواجهة الأعداء حينما قال: “لا تتمنَّوا لقاءَ العدوِّ، وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فإذا لَقيتُموهم فاثبُتوا” (متفق عليه)، وهو أمر صريح بالثبات عند مواجهة العدو وعدم التراجع.

الثبات في فلسطين يتجلى في صور متعددة، منها الصبر على أذى الاحتلال وما يتبعه من معاناة حياتية ومعيشية، ومنها الرباط في سبيل الله. وقد ورد في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ: “رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتّان” (رواه مسلم). وهذا يدل على أن المرابط لا ينقطع أجره بعد وفاته، بل يستمر له الأجر كأنه حي، وهو فضل عظيم لا يكون إلا لأصحاب المقامات العالية في الجهاد.

أرض الشام، وخصوصًا فلسطين، أرض ثبات ورباط وجهاد. ولقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خذلهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك” (رواه مسلم). وقد فسر العلماء هذه الطائفة بأنهم أهل الشام، وفلسطين جزء من الشام، مما يدل على أن أهلها في مقام رباط دائم، وأن الثبات فيها نوع من الجهاد.

ومن صور الثبات في فلسطين:

  1. الصبر على الأذى والمحن: قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 155). وأهل فلسطين يعانون من الاحتلال والحصار، لكنهم صابرون محتسبون.
  2. الاعتكاف والصلاة في المسجد الأقصى: شد الرحال إليه وتحمل المشاق المترتبة على ذلك من بعد المسافة وصعوبة الوصول إليه، وغير ذلك من صور الأذى التي تلحق المرابطين في المسجد الأقصى وساحاته. وكل هذا من أعظم الجهاد، لأن حماية المقدسات واجب شرعي، وقد قال النبي ﷺ: “لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى” متفق عليه.
  3. التمسك بالأرض وعدم التفريط فيها: رغم الأذى الذي يلحق بعض المناطق المحاذية للمستوطنات والمعرضة لأذى المحتلين. وقد نهى النبي ﷺ عن التفريط في الأرض ووصف من بذل روحه بالشهيد فقال: “من قاتل دون أرضه فهو شهيد” رواه الترمذي.
  4. الثبات المجتمعي: لا يقتصر الثبات في فلسطين على مقاومة الاحتلال فقط، بل يمتد ليشمل دعم المجتمع وتعزيز التكافل الاجتماعي، وهو من أعظم صور تعزيز الثبات.

ومن أهم مظاهر تعزيز الثبات:

  • دعم التعليم: رغم التحديات بإنشاء مدارس وجامعات لمواصلة التعليم، ورغم التضييقات وهدم المدارس، فلا بد من معالجة هذا الأم بتقديم المنح والمساعدات المالية للطلاب غير القادرين على دفع الرسوم، ودعم التعليم المهني والتقني لتمكين الشباب من بناء مستقبلهم.
  • توفير الرعاية الصحية: إنشاء مراكز صحية تقدم العلاج المجاني أو بأسعار رمزية للفقراء، وتنظيم حملات تبرع بالأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات التي تعاني من نقص الإمكانيات.
  • مساندة الأسر الفقيرة: توفير المساعدات الغذائية والمالية للأسر المهجرة والأسر التي فقدت معيلها بسبب الاحتلال أو الظروف الاقتصادية الصعبة، والعمل على إنشاء جمعيات خيرية تعمل على تحسين الظروف المعيشية للأسر المحتاجة.
  • تسهيل الزواج وبناء الأسر المستقرة: تقديم المساعدات المالية للشباب الراغبين في الزواج لكن ظروفهم الاقتصادية تمنعهم، والعمل على إنشاء صناديق خيرية لذلك.

هذه المبادرات ليست مجرد أعمال خيرية، بل هي جزء من ثبات الشعب الفلسطيني أمام الاحتلال ومحاولات إضعافه، حيث يعزز هذا التكافل الاجتماعي روح المقاومة والاستمرارية في وجه التحديات.

في الختام:

إن الثبات في فلسطين ليس مجرد صمود أمام الاحتلال، بل هو عبادة عظيمة تدخل في معنى الرباط والجهاد. وأهلها في ثغر من ثغور الإسلام، يدافعون عن المسجد الأقصى والأرض المباركة، ويواجهون الظلم بصبر وثبات. ولذلك، فإن دعمهم والوقوف إلى جانبهم واجب شرعي على الأمة الإسلامية، بالدعاء، والمساندة، ونشر قضيتهم، والعمل على نصرتهم بكل الوسائل الممكنة.

نسأل الله أن يثبت أهل فلسطين، وينصرهم على عدوهم، ويجعلهم من الثابتين المرابطين الذين وعدهم بالأجر العظيم.

تصنيفات :