لا تنسوا غزة بعد رمضان، أ. أمين صبيح
مارس 25, 2025
للمشاركة :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. هكذا المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكت عينه اشتكى جسمه كله، وإذا اشتكت يده اشتكى جسمه كله.

وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر.

أزهقت الأرواح على مدار سنوات الاحتلال، وبعد الطوفان زادت معاناة إخواننا في غزة هاشم. قتلٌ ممنهج للشيوخ والنساء والأطفال، وشهداء تجاوزوا الخمسين ألفًا، وضِعْفُهم جرحى ومعتقلون على مرأى ومسمع من العالم الغربي والعربي. وهُدمت البيوت على ساكنيها، ولم يسلم حجر ولا بشر. مشاف وجامعات ومدارس وروضات ومساجد وكنائس سُويت بالأرض. وتمزقت الأسر، ولحقت آثار مدمرة بالبنية التحتية. في غزة، لحقت أضرار بالمدارس والمرافق الصحية، وسُويت المنازل والمكاتب بالأرض، وهُجِّرت أسر بأكملها.

خذلنا العالم الغربي والعالم العربي أيما خذلان، فما نَصَروها وما مارسوا الضغوطات لإيقاف هذه الحرب الظالمة على كل من يعيش في قطاع غزة.


أيها المسلمون: إن إخوانكم في غزة وفي فلسطين بحاجة إلى نصرتهم والدفاع عنهم، كلٌّ حسب إمكانياته. إياكم وخذلانهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرأً مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته). [رواه أحمد وحسنه الألباني]

إخواننا في غزة هاشم يحتاجون إلى الغذاء والكساء والدواء والمأوى والمال والنصرة؛ فقد هاجمهم عدو شرس بأسلحة متطورة، وهم لا يملكون إلا أسلحةً بدائيةً محدودة يدافعون بها عن أنفسهم. وقد استشهد الكثير -منهم نساء وأطفال ورجال وشيوخ- في المساجد والبيوت وفي كل بقعة من فلسطين، وهم يدافعون عن شرف وعرض الأمة؛ فلا تتخلوا عنهم. ساندوهم بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي، واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا.

عدو ماكر مدعوم من قوى الاستكبار العالمي يريد أن يبطش بنا ويهجرنا من أرضنا، يحاربنا بكل ما أُوتي من قوة. فواجبنا الاتحاد وإعداد العدة للتصدي لهذا المشروع الصهيوني الأمريكي. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.

إيما أهل عرصة مات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله.

إخواننا في كل مكان: الأمر جد خطير، ويحتاج من مجموع الأمة -حكامًا ومحكومين وجيوشًا- العمل لنصرة الشعب الفلسطيني، والعمل الجاد لتحرير الأسرى والمأسورين. وإن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: أحفظ أم ضيع؟

الأمة ممزقة، فعليها أن تعتصم بحبل الله جميعًا.

أيها المسلمون في كل مكان: حكامًا ومحكومين، إن إخواننا في غزة في كربٍ وشدة، ينتظرون من كل مسلم نصرتهم بمد يد العون لهم. واعلموا أن كل ما يقدمه المسلم لإخوانه فإن الواجب الإسلامي أعظم من ذلك. وفي الحديث: “المسلم أخو المسلم.. لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره”. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 7 – 11].

عباد الله، نصرة المسلم إخوانه المسلمين المستضعفين والمنكوبين والمحتاجين لها أشكال وصور عدة، فمن ذلك النصرة بالنفس والمال والطعام. قال صلى الله عليه وسلم: “من جهَّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا”؛ متفق عليه. وقد تكون النصرة بالدعاء والتضرع إلى الله واللجوء إليه، وقد تكون بحمل قضيتهم ونشرها وتربية الأجيال وتعريفهم بعدالة قضيتهم وحقوقهم المشروعة وبيان حقد الأعداء وخبثهم على أمتنا. وقد تكون النصرة باتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية الحاسمة، وقد تكون بالشعر وبالقصة وبالمقال الصحفي الذي يتحدث عن بطولاتهم وصمودهم حتى تتربى الأجيال على معاني الصمود والبذل من أجل انتزاع الحقوق والعيش بكرامة.

وأخيرًا، عبروا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي عن رفضكم وغضبكم ومقاطعتكم لكل ما يقوم به الكيان المحتل، وكل ما يتصل به. وهذا لا يكفي، بل لا بد من الاستمرار والمتابعة حتى يرفع هذا الظلم عن غزة وفلسطين، كلٌّ حسب موقعه وقدرته واستطاعته. فإن لم تكن من الناصرين ولم تستجب لأمر المولى عز وجل في قوله: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ [الأنفال: 72]، فلا تكن من الخاذلين.

أيها الإخوة والأخوات:

إن الذي يجري في غزة ليس حصارًا؛ إنما هو حرب إبادة لشعب اختار العيش بكرامة. إنه عقاب جماعي لشعب أراد أن يعيش حرًّا كريمًا، فوقفوا في وجه المحتل المجرم وقالوا -في عزة وإباء- لن نترك وطننا لكم ولن نتنازل عنه لكم. بكل نطفة في أصلاب الرجال، وبكل جنين في أرحام النساء، وبكل نسمة في الهواء، وبكل قطرة ماء وذرة هواء.. ثابتون صامدون مرابطون منصورون بإذن المولى عز وجل. شاء من شاء وأبى من أبى.

اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعوذ بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم. اللهم انصرهم بجنودٍ لا يُهزمون، اللهم اشفِ مرضاهم وعافِ مبتلاهم وداوِ جرحاهم وفك أسرهم وحصارهم يا رب العالمين.

يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.

تصنيفات :