الثبات بعد رمضان.. الفضل والوسائل، د. حمزة عبد الله سعادة شواهنة
مارس 25, 2025
للمشاركة :

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. أمّا بعد:

فإنّ الثبات على الدين مطلبُ العابدِين الموفَّقين، وديدَن الأنبياء والمرسَلين، وعادة الأولياء الصالحين. والحاجة له ماسّة في كلِّ آنٍ وحين، وخاصةً في زمان الفتن الذي نحياه.

وها هو رمضان قد فارقنا بعد أن حلّ ضيفاً عزيزاً علينا. فمَن كان يعبُد رمضان، فإنّ رمضان قد ولَّى وانقضى. ومَن كان يعبد الله تعالى فإنّ الله باقٍ أبداً.

ونحن ما زلنا نعيش في آثار نفحات رمضان الفضيل. ينبغي علينا أن نقف لِنتساءل: ما هو حالنا بعد أيام قلائل مِن رمضان؟ والإجابة الحاسمة قد نزل بها الوحي، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: 99].

وأصل مادة (ثبَت) تدلّ على دوام الشيء. ونعني بالثبات: لزوم الصراط المستقيم، بأن يستقيم العبد على الإيمان بالله، وأداء فرائضه، وترك محارمه، وعدم التحول والانحراف عن طريق الحقّ.

ولا ريب أنّ الثبات مطلب عظيم، ومقصد جليل. ويمكن تلخيص فضل الثبات وأهميّته في الدنيا والآخرة في النقاط الآتية:

أولاً: تنزُّل النصر: فمِن أعظم ثمرات الثبات في الدنيا استحقاق الثابتين لنصر الله. ومِن أمثلة ذلك تمكين الله تعالى لطالوت، حيث لم يثبت معه إلّا فئة قليلة، فنصرهم الله تعالى على أعدائهم. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: ٢٥٠]. وتأتي نتيجة ثباتهم في قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة: 251]. ومِن ذلك أيضاً نصر الله تعالى للصحابة الميامين -رضي الله عنهم- في غزوة بدر، حيث أمدّهم الله تعالى بالملائكة فيها؛ وذلك مِن أجل تثبيتهم. يقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[الأنفال: ١٢].

ثانياً: التثبيت في القبر: فإنّ ثبات المؤمن على الشهادتَين في حياته يؤدّي إلى ثباته عند موته. يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾[إبراهيم: ٢٧]. ومَن ثبت على طاعة الله تعالى في الدنيا، ثبَّته الله تعالى على الصراط يوم القيامة أيضاً.

والمثبِّتات على دين الله كثيرة، نجمل أهمّها في النقاط الآتية:

أولاً: الارتباطُ بالقرآن الكريم تلاوةً وتدبرًا؛ فإنَّ المحافظة على وِرد قرآني لهو مِن أهمّ وسائل الثبات بعد رمضان. فإنّ هذا الكتاب العزيز أنيس الصالحين، وروح المؤمنين. قال الله تعالى في حقّ كتابه: ﴿كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾[الفرقان: 32]. وقال تعالى فيه أيضاً: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾[النحل : 102].

ثانياً: الدعاء بالثبات: فمِن أعظم وسائل الثبات بعد رمضان أن تلحَّ في الدعاء، سائلاً ربَّك تعالى الثبات. فمَن أعانه الله تعالى فهو المعان، ومَن خذله فهو المخذول. كما لجأ إليه نبيُّنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم إلى مولاه بقوله: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشْد”. وكان صلى الله عليه وسلم يكثر مِن دعائه: “يا مقلِّبَ القلوب، ثبِّتْ قلوبنا على دينك”. و: “اللهم مصرِّفَ القلوب، صرِّفْ قلوبنا إلى طاعتك”.

ثالثاً: الرفقة الصالحة: وممّا يزيد في تثبيت المؤمن اتخاذه جلساء الخير- سواء على أرض الواقع أو في العالم الافتراضي-. فالصاحب ساحب، فاصحَب مَن يُنهضك بك حاله، ويدلّك على الله مقاله. فإنّ الشُّبَه خطّافة، والقلوب ضعيفة. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[الكهف: 28].

ولا يخفى أنّ الرباط في فلسطين المباركة ليس بالأمر الهيِّن. حيث يعاني أهلها من الحصار الخانق، والإبادة الجماعية، والنزوح، وحرب التجويع. لذا، فالمقيم في أكنافها بحاجة إلى عزيمة قويّة وهمّة وقّادة، لِتعينه على الصمود في أرضه. وقد كان القرآن الكريم بلسم الجراح عند أهلنا النازحين الغزِّيين في خيامهم، وجلاء الأحزان لدى أسرانا البواسل في زنازينهم، وزاداً إيمانيّاً للمجاهدين في ثغورهم. كما أنّ دعوات الصادقين لأهلنا المستضعفين في حرب الإبادة كانت بحقّ العسكر الذي لا يُهزم، والحصن الذي لا يُهدم.

ونخلص ممّا سبق، أنّ الثبات صفة عظيمة مِن صفات المؤمنين. كما أنّ له ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة، منها استحقاق الثابتين لنصر الله، وتثبيت المؤمنين عند الموت. وتبيَّن أيضاً أنّ مَن رام الثبات ينبغي عليه أن يأخذ بأسبابه، ومنها الصحبة الصالحة، والمحافظة على وِرد قرآنيّ، وسؤال الله تعالى الثبات.

ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

وآخِر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين.

تصنيفات :