القرآن رفيق عمر لا رفيق شهر، أ. بشرى إبراهيم بكري
مارس 25, 2025
للمشاركة :

أنزل الله تعالى كتابه العزيز منهاجاً لحياتنا، يرسم المسار ويقيمه على الصراط المستقيم، يعيننا على أنفسنا وهو الأعلم بنا، جعله شفاءً ورحمةً وهدايةً وموعظةً للناس، فيه أنباء من قبلنا وأخبار من بعدنا، وأرسل الرسل نموذجاً حياً وتطبيقاً عملياً لما أنزله، كما ورد عن أمنا عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن خُلق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “كان خُلُقه القرآن”.

علّمنا صلى الله عليه وسلم أن القرآن رفيقنا في جميع تفاصيل حياتنا؛ في صلاتنا وأذكارنا ودعائنا، في خوفنا وأمننا، في حلنا وترحالنا. ونحن اليوم في أحب الأيام إلى الله تعالى بل وأعظم الشهور، لما فيه من ليلة قد خصها الله بأن أنزل كتابه الكريم فيها، فكانت ليلة خيراً من ألف شهر. ولو أردنا النظر إلى أحوال الناس من حولنا في تعاملها مع هذه الأيام من شهر رمضان المبارك، لكان انطلاقها من قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٥). فمنهم من تجده ينفض الغبار المتراكم على مصحفه، ربما من رمضان الماضي أو من فترة ليست بالقريبة، ليتذكر أن هناك ورداً يريد أن يقرأه في رمضان، أو يبحث عن سورة يريد سماعها عبر هاتفه المحمول بدلاً من تلك الأغاني التي اعتاد على الدندنة معها في أيامه السابقة. لكن لماذا؟! لأننا اعتدنا أن نعد الختمات في رمضان؟ لأن الكل يقرأ القرآن ولديه سباق يلتحق به؟ هل لهذا نزل القرآن؟ لتتلوه الألسن فقط!! وفي شهر واحد من العام؟؟ ماذا عن بقية الآية: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؟ هل يمكن أن تتحقق الهداية من خلال تلاوة الآيات باللسان فقط؟؟ هل يمكن أن نستطيع التفرقة بين الحق والباطل من خلال المرور على كلمات القرآن مروراً عابراً في شهر واحد، وإن تعددت الختمات؟؟ إن كان القرآن قد أنزل منجماً في ثلاثة وعشرين عاماً، هل يكفينا شهر لتدبره والتفكر فيه للوصول إلى الغاية المرجوة منه؟؟ هذا كان صنفاً من الناس، ولكن هناك من يدرك الغاية الحقيقية من تلاوة القرآن. واسأل عن ذلك أحداً من أهل القرآن، من ذاقوا حلاوته فعرفوها واغترفوا منها بلا ملل، تدبروا الآيات فعاشوها، فكانت السند وقت الابتلاء والمثبت وقت الفتن. امتثلوا لأمر الله تعالى حين قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. نزعوا تلك الأقفال وشرحوا صدورهم لتلقي الوحي الإلهي، كما لو أن الآيات تتنزل عليهم الآن، تشرّبوا معانيها وعاشوها واقعاً، لم يرصوا الحروف رصاً، وإنما أقاموا حدود الله وعرفوا تقوى الله على حقها، فكان القرآن متمثلاً في عباداتهم وأخلاقهم وتعاملاتهم، جعلوا يأتمرون بأوامره وينزجرون بنواهيه، رغبةً فيما عند الله من الأجر والثواب. وهؤلاء هم الذين وصفهم الله بأنهم المؤمنون بالقرآن حقاً، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. فلا يكون المؤمن منهم ما لم يقرأ فيفهم، فيتدبر فيطبق، حتى يكتب عند الله من أهل الله وخاصته، كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم فيما رواه النسائي وغيره من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن لله أهلين من الناس”، قالوا: “ومن هم يا رسول الله؟”، قال: “أهل القرآن هم أهل الله وخاصته”. صححه الألباني. هؤلاء من أدركوا أن الدنيا دار بلاء وكبد، وأن الحياة بغير قرآن شقاء ونكد.

قرآننا دستورنا، فيه نجاتنا، هو رفيق عمرنا لا رفيق شهرنا، نحن مسلمون طوال أعمارنا لا قرآنيون في رمضاننا فقط. إنه القرآن، من صحبه في الدنيا وجده نعم الصاحب في الآخرة، شفيع يوم الحشر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. اللهم ارزقنا صحبة القرآن وأهل القرآن ما حيينا، واجعله نور حياتنا وحجة لنا يوم مماتنا.

تصنيفات :