ستة من شوال فلا تنسوها، أ. إبراهيم عيسى شلالدة
مارس 25, 2025
للمشاركة :

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أخي القارئ، لقد أنعم الله علينا بمواسم الخير والبركة، ومن هذه المواسم المباركة شهر رمضان، شهر الصيام والقيام، حيث النفحات الإيمانية والرحمة والمغفرة والعتق من النيران. ثم جاءت نعمة أخرى بعد رمضان، وهي صيام ستة أيام من شوال، فقد ورد في الحديث الصحيح عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر” [رواه مسلم].

أخي القارئ، إن فضل صيام هذه الأيام عظيم، فمن صام رمضان وأتبعه بهذه الأيام فكأنه صام السنة كلها، وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان ثلاثون يوماً × 10 = 300 يوم، وستة أيام × 10 = 60 يومًا، فيكون المجموع 360 يوماً، أي كصيام السنة كاملة. إن صيام ستة أيام من شوال من السنن العظيمة التي تضاعف الأجر وتُعين المسلم على الثبات على الطاعة بعد رمضان. فمن أراد الخير لنفسه، فليحرص على هذه السنة العظيمة لما فيها من البركة والمغفرة والثواب الجزيل.

وقد كان للعلماء أقوال عن فضل صيام هذه الأيام، ومنهم الإمام النووي (ت 676هـ) حيث قال في كتابه “شرح صحيح مسلم”: “فيه تصريحٌ بترغيب في صيام هذه الأيام، وأنها مكملة لصيام السنة، وهذا فضل عظيم.” كما قال: “يستحب أن تكون متتابعة في أول الشهر، فإن فرّقها أو أخّرها عن أول الشهر جاز وكان فاعلًا لأصل هذه السنة”. وقال ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ) في “المغني”: “وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي وأصحاب الرأي، وبه قال ابن عباس وطاوس ومجاهد وعبيدة السلماني، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال:” من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر”. وذكر ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) في “لطائف المعارف”: “إن صيام ستة من شوال بعد رمضان يُكمّل أجر صيام الدهر، كما جاء في الحديث. وهو شبيه بالنوافل التي تجبر ما قد يكون في الفرائض من نقص.” كما قال: “استمرار الصيام بعد رمضان علامة على قبول العمل، فإن الله إذا تقبّل عمل العبد، وفّقه للمزيد من الطاعات.” وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) في “مجموع الفتاوى” قوله: “صيام ست من شوال مستحب عند جمهور العلماء، وقد وردت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ، وهو من أسباب تكملة أجر صيام السنة.” لكنه ذكر أيضًا أن من عليه قضاء من رمضان فالأولى أن يبدأ بالقضاء قبل التطوع. وهذا ابن القيم (ت 751هـ) يقول في “زاد المعاد”: “صيام الست من شوال بعد رمضان تكمل به أجر صيام الدهر، وهو نظير السنن الرواتب مع الفرائض في الصلاة، فإنها تُكمل نقص الفرائض.”

ومن الفوائد العظيمة لصيام الست من شوال:

  1. تعويض ما قد يقع من النقص في صيام رمضان، فقد يقع تقصير في الصيام من لغو أو رفث أو غفلة، فتأتي هذه الأيام لجبر ذلك.
  2. الاستمرار في الطاعة، وعدم التوقف بعد رمضان، فمن علامات قبول العمل الصالح أن يتبعه المسلم بعمل صالح آخر.
  3. التقرب إلى الله ومضاعفة الحسنات، فالصيام من أفضل القربات، وهو لله وحده، وهو الذي يجازي به.
  4. اكتساب صفة الصائمين طوال العام، فمن اعتاد الصيام بعد رمضان سهُل عليه صيام النوافل كالإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر.

وأحكام صيام الست من شوال التي لا بد أن يعرفها المسلم هي:

  1. حكم الصيام: صيام الست من شوال سُنّة مستحبة وليس واجبًا، ويُستحب للمسلم صيامها لما فيها من فضل عظيم.
  2. وقت الصيام: يجوز صيام هذه الأيام في أي وقت من شهر شوال، سواء في أوله، أو وسطه، أو آخره، ويمكن صيامها متتابعة أو متفرقة، حسب ما يتيسر للمسلم.
  3. نية الصيام: يُستحب أن تكون هناك نية خاصة لصيام الست من شوال، ولا يُشترط التلفظ بها، بل تكفي النية في القلب.
  4. تقديم القضاء على الست: الأفضل أن يبادر المسلم بقضاء ما فاته من رمضان قبل صيام الست من شوال، ليحصل على الثواب الكامل لصيام رمضان ثم إتباعه بالست من شوال.

أيها الأحبة في الله، احرصوا على اغتنام هذه الفرصة العظيمة، وسارعوا إلى الخير، فالأعمار قصيرة، والأعمال هي الباقية، فمن كان قد صام رمضان فليبادر إلى هذه الأيام المباركة، وليجعلها بداية لاستمرار الطاعات، وليحذر من التسويف، فقد يفوته الأجر العظيم. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا على طاعته في كل وقت وحين

تصنيفات :