بعد رمضان … عبادة دائمة، وارتقاء روحي، أ. معن دراغمة
مارس 25, 2025
للمشاركة :

أيامٌ معدودات وشهرٌ عظيمٌ مبارك، ليس كغيره من الشهور؛ نعم، عظيمٌ بمضاعفة الأجور وفتح أبواب الجنان، عظيمٌ بأخلاقياته وروحانياته، عظيمٌ بكُلِّه، يشعر بذلك كلُّ من في قلبه إيمانٌ صادق.
لكن لم يكن رمضان كذلك إلا ليكون مدرسة لباقي الأيام والشهور، فهو تجديد للإيمان وتهذيب للنفس، وخشوع في العبادة، وإقبال عليها دون ملل، من صلاة وصيام وقيام وذِكر ودعاء وصدقة وإحسان وصبر ورباط وجهاد… والرجوع إلى الله، والبعد عن جميع المعاصي، كبيرها وصغيرها، لتحقيق غاية هذا الركن العظيم والعبادة الجليلة، قال جل وعلا: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” [البقرة: 183].
فإذا تأملنا خاتمة هذه الآية الكريمة، وجدنا أن التقوى، التي أرادها الله منا، هي رأس الأمر كله، لم تكن محصورة في زمان معين، وإنما مطلوبة في كل وقت وحين، لتبقى قلوبنا معلقة به سبحانه، لا نغفل عنه طرفة عين في حركاتنا وسكناتنا.
وحقيقة العبادة لله هي كمال الذل والانقياد مع كمال المحبة والخشية له سبحانه، وهذا كله لا ينقضي بانقضاء شهر، مهما كان فضله.

تأمل -أخي الكريم- مثلًا قول النبي صلى الله عليه وسلم:” من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر” رواه مسلم.
ما هي إلا دعوة للاستمرار في العبادة بعد رمضان، ودليل على أن الأجر مضاعف، ليس في رمضان فحسب، بل إن رب رمضان هو رب شوال ورب الشهور كلها، وربُّنا رحيمٌ جدًّا، واسع المغفرة، يكفِّر السيئات ويعطي على القليل الكثير، محبٌّ لعباده، لطيفٌ بهم.

فلماذا يُغلَق ملف الصيام إلا لعامٍ قابل؟ وكذلك القرآن يُهجَر، والمساجد ينفضّ الجمع عنها، والدعاء يقل، والصدقة تنعدم، ونرجع نرتكب المعاصي؟! وجوُّ رمضان الروحاني لا ينتقل معنا إلى ما بعد رمضان، لتظل البركة تحفنا، والرحمة تغشانا، فالخسارة كل الخسارة أن نكون قد خرجنا من رمضان كما كنا قبله، أو نكون كالتي غزلت غزلها وأحكمته، ثم إذا فرغت منه وأتمته، كرّت عليه نقضًا بعد ذلك، قال تعالى:” وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا” [النحل: 92]

فلا يَمُنَّ أحدُنا بعمله، ولا يعجب به، ولا يشعر المؤمن بأن رصيده قد زاد في رمضان وله أن يفعل ما يشاء بعده! قال صلى الله عليه وسلم:”تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه” صحيح البخاري.
وهذا في التعامل مع الخلق، فكيف إذا كان يتعامل بوجهين مع الخالق؟!
بل نحن بحاجة إلى الله وإلى معيته وتثبيته لنا، ولا يدري أحدنا أيُّ عملٍ ينجيه من النار ويدخله الجنة، فلا بد من الثبات والاستقامة على الطاعة، قال تعالى:
“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ” [فصّلت: 30]
وكان الحسن البصري يقول: “اللهم أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة”.

وهناك سُبُلٌ كثيرة للثبات على العبادة، منها:

  1.  إدراك الغاية من الخلق، ووضع نُصبَ العين رضا الله تعالى، واستشعار رقابته، فالله ولا شيء بعده، قال تعالى:” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” [الحجر: 99] فهذا نداء لسيد الخلق ألا يفتر في العبادة إلى أن يأتيه أجله، وغير النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهذا النداء وأحرى بالتلبية، قال تعالى:” وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” [الذاريات: 56]
  2. تثبيت جميع أنواع العبادات التي كانت في رمضان وإن قلت، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّت، فكل عبادة أديناها في رمضان فلنحرص على الاستمرار في جنسها بعد رمضان، وإن كان أقل منها، فقد قال الحبيب صلى الله عليه وسلم:” سَدِّدوا وقارِبوا، واعلموا أنه لن يُدخِلَ أحدَكم عملُه الجنَّةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى الله أدومُها وإن قَلَّ”،
    وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أَثْبَتَه، وكان إذا نام من الليل أو مرض صلَّى من النهار ثِنتَي عشرة ركعة كما روى مسلم، وكانتْ عائشةُ رضي الله عنها إذا عملت عملًا لزمته. ومما يعين على ذلك أولًا: استحضار نية الاستمرار على العبادات، والعزم على ذلك، فالثبات ليس كلمةً تُقال، وديننا ليس دين شعارات، وإنما دين عمل، ومن ثم أمر عظيم، وهو: تصبير النفس وأخذها بالرفق، حتى لا تمل أو تضعف، فتنقطع عن العبادة بالكلية، ويكون الإعراض بعد الوصل، والعياذ بالله. وانظر إلى سير السلف الصالح – رحمهم الله – لم تكن عبادتهم تقتصر على رمضان، بل كانت ديدنهم وشغلهم الشاغل، وقد قال بعضهم: “أدركت أقوامًا لا يزيد دخول رمضان من أعمالهم شيئًا، ولا ينقص خروجه من أعمالهم شيئًا”، وذلك لشدة حرصهم في المداومة على العبادة في جميع الأوقات والمحافظة عليها، وهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، يقول: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:” يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل” صحيح البخاري.
  3. تربية النفس وإصلاحها وتزكيتها وتغييرها بالمجاهدة؛ لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، والشيطان يحرص على صدِّ النفس عن الطاعة، فينبغي للمسلم أن يجبر نفسه ويكرهها على الطاعة، وينهاها عن الهوى، ويقمع الشيطان، حتى يشعر بالراحة ويستشعر لذة الطاعة، فلا يتركها أبدًا.
  4. الصحبة الصالحة، فأخٌ محب صادق ناصح أمين من أكثر ما يُعين على الثبات، فكم من عبد رفعه جليسه ورفيقه عن الميل عن الاستقامة وأعانه على الخير، فإذا نسي ذَكَّره، وإذا أعرض أخذ بيده ونهض به إلى الله، فالمرء على دين خليله، كما أشار إلى ذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

تصنيفات :