
يأتي العيد، وتأتي معه نسائم الفرح، محمّلة هذا العام بأشواقٍ يختلط فيها الحنين بالدمع، والدعاء بصوت التكبير. يطلّ العيد على غزة من بين هدير الطائرات، ودخان القصف، وصوت الركام، ليقول لأهلها: إن مع الصبر بشرى، وإن مع الألم أملًا لا يُطفئه العدوان، وإن للقلوب المؤمنة عيدًا وإن غاب عنها الزينة والثياب.
للعيد في غزة نكهة الصابرين، وعزيمة الموقنين، ورضا أولئك الذين باعوا دنياهم لله، فاشتراهم بفضله واصطفاهم للشهادة أو الثبات. هناك في غزة، لا تُقاس الفرحة بما تملكه الأيدي، بل بما تحمله القلوب من يقين، وبما تردده الأرواح من تسبيحٍ وتكبير. كل بيتٍ هو محراب صبر، وكل أمٍ تقوم مقام الأمة في دعائها وتربيتها وثباتها، وكل طفلٍ ينطق بملامحه: “حسبنا الله ونِعم الوكيل”.
هم الثابتون، الذين علموا أن الأرض ليست ملكًا لمن غلب، بل لمن ثبت. الذين تشبثوا بالتراب إيمانًا لا عنادًا، وأبَوا التهجير لأن الله وعدهم ميراث الأرض، فقال:” ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون”. باعوا راحة الدنيا ليشتروا رضا ربهم، وهم يوقنون أن ما يفقدونه اليوم سيعوّضهم الله به جزاءً عظيمًا لا يضيع.
تضحياتهم مغموسة بالحمد، مكلّلة بالرضا، مشبّعة بالسكينة، وكأنهم يعيشون بقلوبهم في عالم آخر، يسمعون فيه نداء الله:” ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون”. العيد عندهم ليس فرارًا من الواقع، بل وقوفٌ شامخ في وجهه، وتكبيرٌ يعلو فوق صوت الدمار، وثباتٌ يُغضب العدو ويرضي الله.
وفي زوايا المساجد المهدّمة، وعلى عتبات البيوت المدمّرة، تصعد دعوات في ليلة العيد تقول: يا رب، إنّا مظلومون فانتصر. وهناك، في العيون المتعبة، يلمع اليقين بأن “نصر الله قريب“، وأن هذا الابتلاء ما هو إلا تمحيص، وأن وعد الله لا يخلف: “سيجعل الله بعد عسرٍ يُسرًا“.
نحن – في بقاع الأرض كلها – نُصغي لصوت غزة في العيد، ونرسل قلوبنا محمّلة بالدعاء، ووجداننا مبللًا بالرجاء. غزة تعلّمنا أن العيد لا يُمنح، بل يُنتزع بالصبر والإيمان، وأن التكبير الحقيقي هو ذروة التوكل، والفرح الصادق هو ذروة الرضا.
سلامٌ على غزة في عيدها، وسلامٌ على الثابتين على أرضهم، وعلى كل من جعل من يوم العيد دعوة، وصبرًا، ووعدًا لا يُنسى.
تصنيفات : قضايا و مقالات