الثباتُ عَلى الثُغُور فِيه عَظِيمُ الأُجُور، د. زهران عمر زهران
أكتوبر 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وبعد:

إنّ حراسة الثغر، والثبات عليه عبادة عظيمة وقربة جليلة يُؤجر عليها المرابط أجراً عظيماً، فهو يلبّي دعوة الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”

إذا تأملت في آخر الآية أيقنت بأنّ الصبر والمصابرة والمرابطة مع التقوى  طريق الفلاح في الدنيا والآخرة،

يذكر ابن عاشور: ختمت السورة بوصية جامعة للمؤمنين تُجدد عزيمتهم، وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدو، فأمرهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال، ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشد الصبر ثباتا في النفس وأقربه إلى التزلزل،  ثم بالمرابطة خشية أن يفجأهم العدو، و ليكونوا دائما على حذر من عدوهم، فالمرابطة ملازمة الثغر وحراسة بيضة المسلمين، ثمّ أمرهم بالتقوى لأنّها رأس الأمر كله. بكل هذا يتحقق الخير والفلاح.

وإذا نظرنا في سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وجدنا فيها كلاماً طويلاً في الحديث عن الرباط والحثّ عليه، وبيان عظيم أجر المرابطين، وفي هذا سلوى للمرابطين على أرض غزة وسائر أرضنا المباركة، وباقي بقاع المسلمين.

عند البخاري في صحيحه من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم “رِبَاطُ يَومٍ في سَبيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا”.  وعند مسلم في صحيحه من حديث سلمان رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ”. وعند أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: “مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا، وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَأُومِنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَغُدِيَ عَلَيْهِ وَرِيحَ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ  وَكُتِبَ لَهُ أَجْرُ الْمُرَابِطِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.

ونص عامّة أئمة الإسلام من غير خلاف بينهم أنّ المرابطة بالثغور أفضل من المجاورة في المساجد الثلاثة، فكيف إذا كانت هذه المرابطة على ثغر هذه الأرض المباركة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

أيها المرابطون …

الثبات على الثغر يكون بحراسته والوقوف عليه بأمانة ومسؤولية، واحتساب الأجر على الله تعالى، حتى لا يُؤتى من قبلك،

فالله الله إن قُبل منك الرباط!

فهذا القبول يفتح لك باباً من الحسنات والأُعطيات لا يُسدّ حتى بعد موتك،

تأمل في حديث مسلم الذي ذكرناه آنفاً: “رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ”. قف قليلاً “وإن مات” أعدها “وإن مات جرى عليه عمله“.

إنّ ثغور المرابطة كثيرة، لا يُقتصر فيها فقط على ثغر جهاد الأعداء مع بركته وعظيم أجره، وعلو قدر أهله،  

منها المرابطة على ثغر التربية والإعداد وبناء الجيل، كالوالدين فهما يرابطان على ثغر لا نبالغ إن قلنا هو رأس الثغور – ثغر الأسرة- التي تُمد المجتمعات بمن يسعى إلى إصلاح حالها،

ومنها المرابطة على ثغر العلم، فيعلم الأجيال العلم الذي يُنتفع به، ويدل النّاس على الخير، ويقول الحقّ ولا يكتمه،

ومنها المرابطة على ثغر الدعوة إلى الله تعالى فينبه الجيل على إصلاح العلاقة مع الله تعالى ويبين لهم دور هذا الاصلاح في نصرة الدين، وإن رآهم على صلاح قال لهم: من هنا يأتي النّصر.

ومنها المرابطة على ثغر الإعلام هذا الثغر الكبير الذي ينقل أحوال الأرض المباركة، ويُعرّف بها ويُذكر الأجيال جيلا بعد جيل بواجبهم تجاهها،

ومنها المرابطة على ثغر الإنفاق مستحضراً قول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ “،

ومنها المرابطة على ثغر الدعاء هذا الثغر الذي يقرع أصحابه أبواب السماء، فكما أنّ النّصر يحتاج إلى الأخذ بالأسباب الأرضية، فهو يحتاج أيضا إلى قرع أبواب السماء، يقول الأصمعي: لما صافّ قتيبة بن مسلم للترك وهاله أمرهم، سأل عن محمد بن واسع، فقيل: هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه، يبصبص بأصبعه نحو السماء. قال: تلك الأصبع أحبّ إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير.

اثبت على ثغرك .. واحتسب الأجر على الله .. فأنت في سبيله ترجو رحمته وفضله .. مأجور على كل لحظة صبر وثبات وتثبيت ورباط وعطاء ..

صبرًا أخي في محنتي وعقيدتي  …  لا بد بعد الصبر من تمكينِ

ولنا بيوسف أسوة في صبره  …   وقد ارتمى في السجن بضع سنينِ.

هوَّن عليك الأمر لا تعبأ به  …  إنّ الصعاب تهون بالتهوينِ.

سنعود للدنيا نُطب جراحها …  سنعود للتكبير والتأذينِ.

تصنيفات :