
إن تاريخنا الإسلامي يقص علينا وينقل لنا سير أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ومواقفهم مع أقوامهم. فعندما اصطفى الله عز وجل أنبياءه، كلفهم بحمل دعوته وتبليغ رسالته: رسالة الهدى، رسالة النور، رسالة الحق. وما كان من أقوامهم إلا أن قابلوا دعوتهم بالصدِّ والإعراض والتكذيب والافتراء، والتهديد بطردهم أو رجمهم أو قتلهم إن لم يتوقفوا عن تلك الدعوة.
ولكن أنبياء الله عز وجل ما أصابهم وهم صابرون، ولم يضعفوا ولم ييأسوا، بل تسلحوا بسلاح الصبر والثبات على الحق، وتحملوا الأذى والاضطهاد. فالصبر يعطي صاحبه القوة والعزيمة والإصرار على قوله، فهو السلاح المعنوي والنفسي، وبه كان التغلب على قوى الشر والطغيان، وتحقيق وعد الله بالنصر المؤزر على الباطل وأعوانه.
وللصبر مجالات عديدة، منها: الصبر على طاعة الله بالقيام بها، والصبر عن المعصية باجتنابها، والصبر على الابتلاءات والمحن، وكذلك الصبر والثبات على الحق. وكل ذلك يتطلب من المسلم القوة في الإيمان، والتمسك بالرأي مهما اشتدت المحن والمصائب وعظمت التضحيات.
لقد كان الصبر سلوك الأنبياء مع أقوامهم، فكان عندهم الإيمان القوي الراسخ المتين، فالله يعينهم ويقويهم وينصرهم. كذلك توكلوا على الله بأنه سيشد من أزرهم ويقوي عزائمهم. وعندما وقف الباطل في طريقهم متوعدًا إياهم بالتعذيب والتشريد والقتل، لجأوا إلى التوكل على الله كما جاء في القرآن:”الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”(سورة آل عمران، الآية 173)
نعم، لقد لجأ أنبياء الله إلى ربهم في حالة الشدة والقسوة والبطش من أقوامهم الذين طغوا وتجبروا، فكان رسول الله صابرًا، متوكلًا على الله، مستعينًا به، واثقًا بنصره سبحانه. فهو القدوة العظمى التي تقف إلى جانبهم وهم يحملون الدعوة ويبلغونها. فكان صبرهم زاد الطريق ليصلوا بالدعوة إلى بر الأمان. إنه طريق شاق وصعب، محفوف بالصعاب والأشواك والابتلاءات.
وقد جعل أنبياء الله من أنفسهم القدوة الحسنة والمثل الأعلى والنموذج الرائع في صمودهم وتحديهم للباطل وأعوانه، فانتصروا وفازوا بخيري الدنيا والآخرة.
وإذا نظرنا في سيرة الأنبياء، فإنها مليئة بنماذج الصبر، فما سُمِّي أولو العزم من الرسل بهذا الاسم إلا لصبرهم وعزيمتهم التي لا تلين:
- نوح عليه السلام صبر على تكذيب قومه له، واتهامهم له بالضلال، وتهديدهم له بالرجم.
- إبراهيم عليه السلام صبر على إلقاء قومه له في النار.
- موسى عليه السلام صبر على بطش فرعون وجبروته، وتكذيب بني إسرائيل له.
- عيسى عليه السلام صبر على تكذيب بني إسرائيل له وافترائهم على أمه العذراء.
- محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ إذ كان له النصيب الأكبر في الصبر، فصبر على تكذيب قومه، واتهامهم له بالسحر والجنون، ومقاطعتهم له ثلاث سنوات في شِعب أبي طالب، كما صبر على أذى المنافقين، واتهامهم له في عرضه، ومحاولات قتله.
وأخيرًا، حريٌّ بنا أن نقتدي بأنبياء الله سبحانه وتعالى في صبرهم وثباتهم على الحق، ذلك الصبر الذي يُعد سلاحًا في مواجهة أعداء الله، والتغلب على قوى الظلم والكفر والطغيان، وبه يُنقذ العباد من التيه والضلال إلى نور الحق والهدى والإيمان.
ولنكن على ثقة بالله عز وجل بأنه ناصرنا ومعيننا، فقد قال تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ”(سورة النحل، الآية 128)
وقال أيضًا:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”
(سورة آل عمران، الآية 200)
تصنيفات : قضايا و مقالات