الصبر والإيمان جسر للثقة بما عند الله من رزق، د. سامح نشأت سعد
أكتوبر 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

لقد ربط القرآن الكريم بين الإيمان والصبر، وبين الثقة بما عند الله من أجر ورزق وخير عظيم، لكي يكون المؤمن مطمئنًّا ومتيقنًا أن ما عند الله من رزق خيرٌ وأبقى.

وقد وردت الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تُبيِّن فضل الإيمان والصبر وما أعدَّه الله للمؤمنين الصابرين؛ فيقول سبحانه وتعالى في حقِّ المؤمن الصابر المتوكِّل على الله:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ۝ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت: 58-59]، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

فالذين آمنوا وصدَّقوا الله ورسوله، وعملوا بما أمرهم الله تعالى به، وانتهوا عمّا نهى الله عنه، وصبروا على الشدائد، ولم يتركوا دينهم لشدة أصابتهم، لم يكونوا كمن قال الله فيهم:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ۝ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: 10-11].

فالمؤمنون دائمًا واثقون بالله، متوكِّلون عليه، فينزلهم الله في الدرجات العُليا من الجنة ماكثين فيها إلى غير نهاية، ويجزيهم أجرهم بغير حساب؛ فهم الذين صبروا في أرزاقهم وجهادهم، واعتمدوا على ما كتب الله لهم من رزق وأجر لن يفوتهم. فكان الصبر والتوكل على الله ثمرة الإيمان، وهما الجسر الذي يُوصِل المؤمن إلى الرزق الأخروي العظيم.

وقد ربط سبحانه وتعالى الصبر مع الإيمان بأنه سبب للرزق بالنصر والمدد من الله تعالى، بقوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وقال سبحانه في موضع آخر: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125].

فتبيِّن هذه الآيات أن الصبر إن اقترن بالإيمان والتقوى سيكون سببًا في الفوز والنصر والمدد من الله، وهذا رزق يسوقه الله لعباده المتقين. وهذه الآيات تبعث في نفس المؤمن الطمأنينة بأن الله لن يتركه دون رزقٍ من نصرٍ وتمكين، لذا وعد سبحانه عباده المؤمنين بالنصر والتمكين بقوله:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: 55].

فالرجوع إلى الإيمان وطاعة الله سبحانه وتطبيق شرعه، والصبر على ما يصيب المؤمنين، هو الطريق لرزق الله لنا بالنصر والتمكين. فنحن – بما نمر به هذه الأيام من ابتلاءات ومحن ومصائب واستضعاف – نحتاج إلى عودة صادقة إلى الله، وإصلاح قلوبنا التي ابتعدت عن الإيمان الحقيقي. فقد وعد الله المؤمنين الصابرين بالرزق بالنصر والتمكين والاستخلاف؛ فلا يتحقق نصر الله سبحانه إلا إذا عدنا إلى إيماننا الحقيقي بالله وطبّقنا شرعه في كل أمور حياتنا.

فالمؤمن الحقيقي لا يطيع الله في جانب ويعصيه في جانب آخر. ومع الأسف الشديد، كثير من المسلمين اليوم لا يطبقون شرع الله في حياتهم؛ فمنهم من يظلم أخاه، ومنهم من يتعامل بالربا، ومنهم من لا يشعر بإخوانه المستضعفين. فإذا أردنا أن نُرزق بما عند الله من نصر وتمكين وجنات ونعيم، علينا أن نكون مؤمنين حقًّا. فقد بيَّن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وقال في حديث آخر: مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

لكن كثيرًا من المسلمين اليوم لا يتحلَّون بالإيمان الحقيقي الذي به وعدنا الله بالرزق والنصر؛ سواء من حيث عدم الشعور بإخوانهم، أو من خلال التعامل بالحرام، من أكل حقوق الناس أو التعامل بالربا الذي فيه حرب من الله، ثم ينتظرون نصر الله! فمن أراد النصر ونيل الجزاء فعليه بالإيمان والصبر، لقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

فنحن بحاجة إلى تطبيق الإيمان؛ فبتطبيق الإيمان والعمل به، والصبر على ما يصيبنا، يرزقنا الله النصر ويثبتنا. فالإيمان يورث العبد يقينًا بربه، والصبر يمنح صاحبه الطمأنينة بما أعدَّه الله لعباده من رزق في الدنيا والآخرة، حتى يكون المؤمن في حياته بين رجاء رزق الله والطمأنينة بوعد الله.

وقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]،
فالإيمان والتقوى والصبر أساس لما عند الله من رزق.

تصنيفات :