المعلم الفلسطيني في مواجهة التحديات، د. وائل حشاش
أكتوبر 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

من أهم الإشكالات التي تواجه شعبنا الفلسطيني خلال الأعوام الخمسة الماضية، والتي جاءت نتيجة لبطش الاحتلال وعربدته واعتداءاته المتكررة على حقوقنا ومقدراتنا، السطو على أموال المقاصة ومصادرتها كأداة عقابية تُضاف إلى وسائل التنكيل المستمرة ضد أبناء شعبنا، المتمثلة بالقتل والتشريد والاعتقالات ومصادرة الأراضي واقتلاع الأشجار وهدم البيوت، ولا شك أنّ أخطرها وأبشعها الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يُمارَس ضد أبناء شعبنا الصامد المصابر في قطاع غزة الأبي.

وقد أدى هذا السلوك الإجرامي من قبل حكومة الاحتلال المتطرفة إلى تضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني المتعثر، وازدياد حالة الفقر والعوز بين أبناء شعبنا. وإن كان التأثير قد طال كل فئات المجتمع، إلا أن الضرر المباشر وقع على طبقة الموظفين، وبالذات المعلمين الذين يعتمدون بشكل كلي على الراتب الشهري لتلبية احتياجاتهم.

ولا يخفى على أي متابع للشأن الفلسطيني مقدار القهر والابتلاء الذي يعانيه المعلم الفلسطيني، الذي حُرم من راتبه خلال السنوات الخمس الماضية، منذ بدء أزمة كورونا، وانتهاءً بالقرصنة التي يمارسها الاحتلال بمصادرة أموال المقاصة.

لذلك أصبح من أهم التحديات التي تواجه المعلم: كيف يمكنه القيام بواجبه المقدس تجاه أبناء شعبه من خلال استمرارية العملية التعليمية والنهوض بها، وفي المقابل افتقاره إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة التي تمكنه من تسديد التزاماته أمام فلذات أكباده وزوجته؟

وهنا يبرز المعدن الأصيل للمعلم الفلسطيني الذي يجعله يتعالى على حاجاته، ويتسامى على جراحه، ويُقدّم الأهم على المهم. ولإدراكه خطورة المرحلة فقد آثر العضَّ على جراحه، وتجاوز آلامه وأوجاعه، وبدأ العام الدراسي رغم ما يعانيه من مرارة وخذلان وانتقاد من فئات لم تقدّم لقضيتنا واحدًا بالمئة مما قدّمه المعلم.

كما يُدرك المعلم أن الله اصطفاه ليكون أحد المرابطين على هذه الأرض المقدسة، بما يمتلكه من سلاحي العلم والإيمان، وما يتحلى به من التزام ديني ووطني وأخلاقي يجعله قادرًا على مواجهة التحديات والعوائق التي قد تعصف بشعبه وقضيته. فنراه دائمًا في الصفوف الأولى مدافعًا عن قضيته ومقدرات شعبه.

فالمعلم الفلسطيني ليس مجرد موظف يؤدي عملًا روتينيًا من أجل الحصول على راتب في نهاية الشهر، وإنما هو صاحب رسالة، وحامل مبادئ، وجندي في ساحة معركة متقدمة مع الاحتلال البغيض الذي يسعى بكل جبروته وسطوته إلى تجهيل شعبنا، وتحويله إلى مجرد عمال نظافة لمدنه، وعمال بناء لمستوطناته.

ولأن المعلم الفلسطيني يُدرك خطورة المرحلة وما يُحاك ضد شعبنا من مؤامرات ليل نهار، ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46]، فقد بادر ـ وبكل مسؤولية ـ إلى افتتاح العام الدراسي، وبذل كل جهد لإنجاحه، متسلحًا بإيمانه وعلمه، وموقنًا بأن الله عز وجل لا يضيع أجر المحسنين.

تصنيفات :