مرابطون وصابرون انتظارا لوعد الله، د. بلال أبو حسن
أكتوبر 1, 2025
للمشاركة :

مرابطون وصابرون انتظارا لوعد الله

في أوقات الشدة والمحن، تظهر معاني الإيمان الحقيقية، وتُختبر القلوب في صبرها وثباتها، وتتجلّى فيها صور البطولة والتضحية، ويتمسك أهل اليقين بوعد الله الحتمي بالنصر والتمكين مهما طال الطريق واشتدت الظلمة.

واليوم، ونحن نواجه آلة الموت الصهيونية والمدعومة عالميًا، خاصة على المستوى الرسمي، لا بد لنا أن نقدم خطابًا يليق بتضحيات هذا الشعب العظيم ويلبي طموحاته، هذا الشعب الذي يسطر بدمائه الزكية الطاهرة قصة عظيمة من التضحية والبطولة والفداء، ويواجه القتل والتشريد والخذلان منذ عقود من الزمن، دون أن يرفع الراية البيضاء.

والمنهج النبوي الشريف هو خير موجّه لنا في مثل هذه الظروف، فكان النبيّ (ﷺ) يقوم بتصبير أصحابه بتذكيرهم بتضحية السابقين، وثباتهم على الحق دون تغيير أو تبديل، ومن ثمّ بثّ الأمل في نفوس الناس بأنّ الله غالب على أمره ولو كره الكافرون، ويظهر هذا جليًّا في حديث خباب بن الأرتّ حين جاء يطلب من النبيّ (ﷺ):

“شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ، فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”.

وختم النبيّ (ﷺ) حديث خباب بقوله: “ولكنكم تستعجلون”، وكأنه يلفت نظرنا إلى أمر مهم هو أن النصر قد يتأخر، مما يؤدي إلى استعجاله من قبل بعض الناس والقنوط من تحققه ووقوعه. والنصر يأتي بعد استحقاقه ودفع ثمنه، فقد ذكر الله ذلك في كتابه الحكيم بقوله سبحانه: “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ” [البقرة: 214].

ومما يصبّر الإنسان اليوم على مواجهة التحديات والصعوبات، استشعاره لكرم الله عليه بأن اختاره لهذه المهمة العظيمة دون غيره، وقدّمه ليكون في الصفوف الأولى في المواجهة لا من المتأخرين، واستحضاره لأجر الرباط في سبيل الله. والسنة النبوية المشرفة زاخرة بالأحاديث التي تذكر أجر الرباط والمرابطين، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ:”رِبَاطُ يَومٍ في سَبيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “كلُّ ميتٍ يُختَمُ على عملِهِ إلا المرابطَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّهُ يُنْمَى له عملُهُ إلى يومِ القيامةِ ويأمنُ من فتنةِ القبرِ”.

فكل هذه الأجور تستحق من الإنسان أن يصبر ويصمد، ويحتمل ما يلقى من الأذى والبلاء؛ حتى يظفر بها، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

في الختام، فإن الصبر والمرابطة ليسا شعارًا يُرفع، بل عبادة عظيمة يحفظ الله بهما دينه وأرضه، ومن ثبت اليوم على الحق، نال بإذن الله نصرًا في الدنيا، وأجرًا عظيمًا في الآخرة، فإن وعد الله حق، والنصر قريب، والفرج آتٍ بإذن الله. قال الله تعالى: “وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” [الروم: 47]

تصنيفات :