
منذ سنواتٍ طويلة، والتعليم في فلسطين يقف على أكتاف المعلمين الذين لم يتخلَّوا عن رسالتهم رغم كل الظروف القاسية.
لكنَّ السنوات الأربع الأخيرة حملت امتحاناً أصعب، حيث يعيش المعلم أزمة الرواتب الناقصة والمتقطِّعة، في وقتٍ تتضاعف فيه الأعباء المعيشية، ويشتد الغلاء، وتتعقد حياة الناس. صار المعلم بين نارين: نار الالتزام برسالته، ونار السعي وراء لقمة عيشٍ كريمة لأبنائه.
المعلم ليس موظفاً عادياً يقضي ساعاتٍ محدودة ثم يعود إلى بيته لينسى عمله؛ بل يخرج من الصف محمّلاً بهموم عشرات الطلبة، يسعى لأن يبني فيهم قيماً وعلماً وصبراً، حتى وإن كان داخله مثقلاً بالقلق على عائلته وفواتيره.
إنَّ صبره على هذا الحال ليس عجزاً، بل جهاد حقيقي، لأن من يقف أمام الطلبة كل يوم ليغرس المعرفة، وهو محروم من حقه الأساسي في راتبٍ كامل، إنما يجاهد في سبيل أمّة كاملة، لا في سبيل نفسه فقط.
المعلم في فلسطين يعيش حالةً فريدة: فهو محاصر بالأزمات الاقتصادية، مثقَل بالضغوط الاجتماعية، ثم يُطلب منه أن يصبر بلا حدود، وأن يؤدّي رسالته وكأنّه يعيشُ في ظروفٍ مثاليّة. وبين مطرقة الواجبات وسندان الحقوق يُطرَق هذا المعلم حتى تتهشَّم عظامه، وتتفصَّد جراحه، وتُطحن آماله. فلا ضميره ورسالته تسمح له أن ينكفئ، ولا المجتمع يعذره، ولا الحكومة تنصفه.
فإن صرخ من مكابدة التزاماته، وتأوَّه من وطأة أثقاله، وجوع أطفاله وعياله… تذكّر وجوه تلامذته وعيونهم البراقة المتلهفة لسماع كلماته، والمقتدية بحركاته وسكناته، ليشعل فيهم الحماس، وينبتهم نباتاً طيباً، غرساً يسقيهم من فيض علمه ووجدانه.
ثم نجدُ شرائح في المجتمع يوجّهون لومهم وسهامهم إلى المعلم إذا طالب بحقوقه! ينسون أن هذا المعلم إنما يطالب بأبسط ما يملكه أي إنسان: حقه في أجره، وحقه في أن يستطيع أن يرسم بسمةً على وجوه أطفاله. ينسون أو يتناسون أنَّ من يدرّس أبناءهم اليوم وهو جائع أو مهموم، لن يقدر أن يعطيهم غداً كما يجب. فإذا انهار المعلم، انهارت المدرسة، وإذا انهارت المدرسة انهارت الأجيال، وإن فاقد الشيء لا يعطيه.
فإذا جُرِّد المعلم من العزّة والكرامة والطموح، فلن يستطيع أن يزرع في أجياله إلا قيَم الهزيمة والضعف والأنانية – لا قدّر الله.
الحقيقة أن المعلم لا يحتاج فقط إلى كلمات الشكر، بل يحتاج إلى أن يقف المجتمع كله خلفه، يدافع عن حقه كما يدافع عن حق الماء والهواء. والمجتمع في ذلك إنّما يؤمن بنفسه، ويقدّر أبناءه من النشء الذين جعلهم أمانةً بين يدي المعلم، فيعكس صورته فيهم، ويعكسون صورته في سلوكهم وطموحهم.
إن استمرار التعليم في فلسطين، رغم كل الظروف، معجزة صنعها صبر المعلم وجهاده. لذلك، فإن خذلان المعلم اليوم خيانة للمستقبل. فإن لم يقف المجتمع إلى جانبه، فإن أول من سيدفع الثمن هم الأبناء أنفسهم، الذين سيفقدون جودة التعليم، وسيكبرون في وطنٍ لا يقدّر من بناه بعلمه وتضحياته.
ختاماً نقول: إذا كان تعليمنا جهاداً وصبراً، فإن أعظم هذا الجهاد كلمةُ حقٍّ في ميدان العلم يقولها المعلم، وكلمةُ حقٍّ وموقفُ صدق يتمثّله المجتمع في تكاتفه مع المعلم. فلا تخذلوا المعلم حين يطالب بحقه، ولا تتركوه وحيداً في مواجهة هذه الأزمة.
فالمعلم إنسان قبل أن يكون مربياً، وإذا كان هو العمود الفقري للتعليم، فإن دعمه هو الضمانة الوحيدة لاستمرار التعليم والرقي به وتطويره.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تصنيفات : قضايا و مقالات