إعمار غزة… رسالة إيمانية قبل أن تكون مشروعًا إنشائيًا، أ.توفيق يوسف ابو الرُّب
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

في أفق الأيّام القادمة يلوح شتاءٌ بارد، يذكّرنا لا ببرودته فحسب، بل بحرارة الإيمان التي ينبغي أن تسري في أوصال الأمة. حين ينهدم بيتٌ وتُشرَّد عائلة، فذلك ليس شأنًا خاصًّا بأهله، بل هو وجعٌ عامّ يمسّ جسد الأمة بأسرها؛ كما قال النبي ﷺ:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه).

هذا الحديث ليس مشهدًا بلاغيًا، بل منهج حياة. فحين يُهدم بيت أخيك ولا تتحرك لبناؤه، فاعلم أن في قلبك موضعًا للبرد لا للرحمة.

الإيمان الصادق لا يُقاس بكثرة الدعاء فقط، بل بمدى استجابتك لآلام الناس؛ ألم يقل الله تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

فمن آوى ملهوفًا أو أعان في إعمار بيتٍ مهدوم، فقد أحيا سنّة من سنن الرحمة التي يحبها الله، ونال وعده:

«من فرّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (رواه مسلم).

أما من أعرض وتبلّد قلبه أمام آهات الأرامل والأيتام في العراء، فليتذكر قوله تعالى:

﴿كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: 17–18].

فما بالك بمن لا يحضّ على مأوى يُدفئ أجسادًا تقهرها الرياح!

إن إعمار البيوت ليس بناءَ جدرانٍ فحسب، بل بناءُ أمانٍ في قلوبٍ مهدومة. هو ترجمة للإيمان إلى فعل، وللكلمة إلى طوبة، وللدعاء إلى مأوى.

وفي لحظة صدق، حين تمتد يدك لتعمّر، أو تتبرع لتؤوي، أو تواسي من فقد مأواه، فأنت تُعيد للإنسان معنى “الأخوّة” الذي كاد يضيع في زحمة الشعارات.

فلتكن ذلك الجسد الذي إذا اشتكى بيتٌ منه، تداعى له بالسعي والبذل والإعمار، لا بالسهر على شاشات الأخبار.

فالإيمان لا يُبنى بالكلام، بل يُسكن في بيتٍ يُعاد بناؤه من الرحمة

تصنيفات :