سُنَّة التداول وبشريات النصر، أ. علي الطرايرة
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

إنَّ الصراع بين الحق والباطل كرٌ وفرٌ، لا يستقر فيه النصر الدائم لطرف إلا بتحقيقه مقتضيات هذا القانون. إنه القانون الذي قرره القرآن الكريم، وهو الإطار الذي يجب أن تُقرأ به الأحداث الكبرى. فالصراع ليس مجرد أحداث عسكرية؛ بل هو تجلٍّ حيٌّ لسُنَّة الله في التداول، وهي السنَّة التي تقتضي حركة دائمة من التمحيص والابتلاء والامتحان.

لقد وضَّحت الآيات الكريمة، بعد أحداث غزوة أُحد، أسرار هذه السنة ومقاصدها الحكيمة، وهي في سياق الحديث عن جراح الأمة والتراجع المؤقت: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران: 140].

هذه الآيات ليست مجرد تعزية؛ بل هي دستور التغيير والنصر. إنها ليست مجرد تقرير لحقيقة تاريخية، بل هي قاعدة كونية تضبط سير الأمم والصراعات وترسخ سنة التداول في موازين القوة والانتصار. وهذه الأرض المباركة التي صمد مرابطوها في وجه أعتى الآلات، تعد تجسيدًا حيًا لهذه السنة الإلهية وبشرى نصر لا يُقاس بالمكاسب الظاهرة فحسب، بل بالثبات والصمود والتضحية.

لهذه السنة الإلهية مقاصد يجب تحقيقها:

أولًا: “وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا”

المقصد الأول هو الامتحان والفرز. فالتداول لا يتم إلا بكشف حقائق النفوس. الشدائد هي المحك الذي يفرز الإيمان الصادق من الادعاء الزائف، ويتجسد هذا الفرز في الثبات والصبر على أشد صنوف الظلم. هذا الثبات ليس مجرد رد فعل؛ بل هو دليل عملي على قوة الإيمان ويقين داخلي لا يتزعزع. الابتلاء يكشف جوهر المعدن، ويميز المؤمن الذي يرى وعد الله خلف سحب الدخان، عن المتخاذل الذي يفتنه المشهد المؤقت.

ثانيًا: الاصطفاء والتكريم: “وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ”

المقصد الثاني هو الاصطفاء والشهادة. الشهداء هم قمم الإيمان وعنوان التضحية. إنهم وقود التغيير وبذور النصر القادم. الشهادة في الإسلام ليست نهاية مأساوية؛ بل هي اصطفاء إلهي واختيار كريم، يرتقي بالصابرين إلى منزلة عليا. فالدم المسفوك يتحول إلى طاقة دفع للمشروع الإيماني، ويثبت للأجيال أن هناك غاية أسمى من الحياة المادية، وهي الحرية والكرامة والانتصار للحق. هذه الدماء هي التي تضمن استمرار الذاكرة ورفض الهزيمة المعنوية.

ثالثًا: إعلان الموقف الإلهي: “وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”

المقصد الثالث هو القطع مع الظلم وإعلان البراءة منه. هذه الجملة هي إعلان إلهي قاطع بأنَّ الظلم لا يمكن أن ينتصر انتصارًا مطلقًا أو يدوم. هي تأكيد على أنَّ الظالم -مهما طغى وتجبر- هو خارج دائرة محبة الله. هذا النفي للمحبة هو أشد عقوبة كونية، تعني أنَّ نهاية الظالم محتومة ولو بعد حين. وهذا المبدأ هو الضمانة المعنوية أنَّ كل الطغيان والقتل لن يمر بسلام، وأنَّ موازين العدل الإلهي ستتحقق في النهاية.

رابعًا: التطهير والمحق: “وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ”

المقصد الرابع والأخير هو التمحيص والمحق.

  • التمحيص للمؤمنين: هو التطهير من الذنوب والأخطاء، وتخليص الصفوف من الشوائب والنفاق، وتقوية الإرادة وتصفية المنهج. الابتلاء يصقل النفوس ويجعلها أهلًا للنصر والقيادة.
  • والمحق للكافرين (الظالمين): هو الإهلاك والنزع التدريجي لبركة وجودهم وقوتهم، وتبديد مخططاتهم وتدمير كيانهم من الداخل. “المحق” يأتي غالبًا بعد “التمحيص”؛ إذ لا يُسلم الله النصر إلا لصفٍّ نقيٍّ مُمحَّصٍ. الحرب تكشف هشاشة التحالفات الظالمة وتُسرّع من نهايتها الأخلاقية والسياسية.

إنَّ ما يحدث هو عملية تحوُّل جذرية لا تقتصر على بقعة محدودة فقط؛ بل هي تمحيص للمنطقة والعالم. فالمقاومة والصمود يؤديان وظيفة التمحيص؛ إذ يُظهران الصادق من الكاذب، والراغب في الحرية من الخانع للتبعية.

في سنة التداول، النصر الحقيقي ليس مجرد انتصار عسكري عاجل؛ بل هو التمكين بعد التمحيص. إنه ثمرة الاستجابة لمقتضيات التداول: الثبات، والتضحية، والتطهر من العلل والوهن، والإيمان بأنَّ الله لا يحب الظالمين. هذه السنة تعلمنا أنَّ جولة الباطل -مهما طالت- هي مجرد مرحلة مؤقتة في سبيل التطهير وصولًا إلى مرحلة محق الكافرين وتمكين المؤمنين. إنها دعوة للثبات والعمل؛ لأنَّ قانون التداول يضع نهاية حتمية لكل ظلم.

تصنيفات :