العطاء سر البركة وبذرة الرحمة، أ.هاني كامل الشيخ قاسم
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

اللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى، ولك الحمد على كل حال،ولك الحمد بكل نعمة أنعمتَ بها علينا، وإن تعدّوا نعمة الله لا تُحصوها. والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، المبعوثِ رحمةً للعالمين، سيدِ المربين، وسيدِ الخلق أجمعين،زكّاه ربنا تعالى وزكّى رسالته فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾،فكانت رسالته هي الرحمة لكل مخلوقات الله بلا استثناء. وزكّاه ربنا جل وعلا بوصفٍ يليق بمقامه الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

إنّ الرحمة التي بُعث بها محمدٌ صلى الله عليه وسلم تقتضي أن يسودَ التآلفُ والتكاتفُ والتكافلُ بين الناس، فما من مجتمع يخلو من أصحاب حاجة، سواء كانت هذه الحاجة ماديةً أو ماليةً أو معنويةً أو غير ذلك. العطاءُ والبذلُ هما من صفات أنبياء الله تعالى، فقد كانوا عليهم السلام جميعًا يبذلون أموالهم وأوقاتهم وجهودهم وعلمهم في سبيل الله، ليصل ذلك إلى كل الناس، وإلى كل ذي حاجة،

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الإمام في العطاء والبذل، ويقتدي بهم أهل الكرم وأهل العلم وأهل التقوى والإيمان. ويرشدنا الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم إلى ثواب العطاء وأجره وجزائه، ويحثّنا على البذل في كل الجوانب مادية كانت أو معنوية، فما أعطانا الله تعالى إلا لنعطي. فالغني يُنفق من ماله في سبيل الله وللمحتاجين والفقراء، والعالم يعلّم الناس أمورَ دينهم ودنياهم بحسب علمه وتخصصه، وأصحابُ الجاه يسعون بين الناس لفضّ نزاعاتهم وخلافاتهم ومنع الخصومة بينهم، والقويّ يدفع عن الضعفاء أيَّ اعتداءٍ أو ظلمِ ظالم. فإنّ الله تعالى قد أعطى أناسًا ما لم يُعطِ غيرَهم، فليُبذلْ كلُّ مسلمٍ مما أعطاه الله، كلٌّ بحسب قدرته، فلا يكلّف الله نفسًا إلا وُسعها.

واعلمْ، أخي الحبيب، أن عطاءَك الذي أعطيتَ، وبذلك الذي بذلتَ، إنما هو ذُخرٌ لك تدّخره عند الله تعالى، ليجود عليك عند حاجتك، سواء كانت حاجتك في الدنيا أو في الآخرة، ولكن بأضعافٍ مضاعفة، فيبارك الله تعالى لك في مالك وعيالك وعلمك وعافية بدنك، أو يكفّ عنك شرًّا أو سوءًا أو بأسَ ظالم. وكثيرةٌ هي الآيات والأحاديث التي تبين ثواب العطاء، فالكلام يطول والمقام لا يتسع. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

آيةٌ عظيمة، والقرآن كله عظيم، تُبيّن أن الإنفاق في سبيل الله يتضاعف أجره عند الله تعالى مئات الأضعاف، بل إنه سبحانه يُضاعف لمن يشاء. وهنا لفتةٌ جميلة لطيفة في هذه الآية، وهي مناط مضاعفة الأجر، فلماذا لم يَبْقَ الأمر ثابتًا بحسابٍ رياضيٍّ: واحد زائد واحد يساوي اثنين؟

أقول – وبالله التوفيق – إن مردَّ ذلك يعود إلى الحالة النفسية التي يكون عليها المنفق أو المعطي، فالانفعالات النفسية عند الناس تتفاوت من شخصٍ إلى آخر، فهذا يُنفق دينارًا في سبيل الله فتتلقّاه نفسه برضى واطمئنان، وآخر يُنفق دينارًا فيطير فرحًا بهذا الإنفاق، ويكون أسعدَ بإنفاقه منه عند حصوله على هذا الدينار. فالانفعال النفسي عند الاثنين مختلف، فيقتضي ثوابًا مختلفًا من الله العدل، وميزانه لا يظلم مثقالَ ذرة، والله يضاعف لمن يشاء. أما حبيبنا، حبيبُ الحق صلى الله عليه وسلم، فله أحاديثُ كثيرةٌ تحثّ على العطاء وتبيّن فضله، ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن نفّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسّر على مُعسرٍ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مؤمنًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عملُه لم يسرع به نسبُه» رواه مسلم.

في هذا الحديث الكريم قولُ الصادق المصدوق، وبُشرى لكل من يقضي حاجةَ مؤمنٍ أو يُفرّج عنه، أو يُنفّس عنه كربةً من كُرَب الدنيا ويحتسب ذلك عند الله، فإن الله تعالى يُنفّس عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة. وما أحوجَنا، وما أحوجَ كلَّ مسلم، إلى ذلك في يوم الموقف العظيم، ويوم الحساب الأليم، نحتاج فيه إلى رحمة الله تعالى، فإن كان لنا رصيدٌ من صدقةٍ أو نفقةٍ أو كلمةِ حقٍّ أو موقفٍ يتقبله الله تعالى منا في ذلك اليوم، فذلك خيرٌ عظيم.

من هنا نفهم وندرك أن البذلَ والعطاءَ هو في حقيقة الأمر أخذٌ وادّخار، ولكنه ادّخارٌ عظيم عند الله تعالى، يرتدّ إلى المؤمن بحسب حاجته التي يعلمها الله تعالى ولا يعلمها المؤمن نفسه. وينبغي على المؤمن أن يعلم أن الصدقة لا تنقص المال، كما أخبر حبيبنا صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مالٌ من صدقة»، فما تتصدق به لا ينقص مالك بل يزيده ويبارك فيه. وللعطاء والبذل آثارٌ كثيرة، أكاد أزعم أنها لا تُحصى، فهي تعود على الفرد والمجتمع بالخير العظيم العميم. فمن يُعطِ ممّا آتاه الله يشعر براحةٍ نفسيةٍ واطمئنان، ويشعر بمعيّة الله تعالى، فقد أطاع الله ورسوله الكريم، فلن يضيّعه الله. ويشعر بالرضا عن نفسه لأنه يقوم بدوره ويسدّ ثغرةً من ثغور الإسلام، وأنه عنصرٌ بناءٌ منتجٌ نافعٌ لنفسه ولغيره.  وعلى صعيد المجتمع، فإن العطاء يعود بالخير على كل المسلمين، ويسود التآلف والتكافل بين الناس، فتذوب الحواجز بينهم، ويقلّ الحسدُ والحقد، وتتآلف قلوبهم، فالكلّ يساعد الكلّ، والكلّ في حاجة الكلّ، غنيّهم يعطي فقيرهم، وعالمهم يعلّم جاهلهم،

ويكون بذلك المجتمعُ المسلمُ نموذجًا لكلّ البشرية، يبني حضارةً أركانها الرحمةُ والعدلُ والتكافلُ بين الناس.

تصنيفات :