فلسطين أرض مباركة ووعد إلهي لا يسقط بالتقادم، أ. رزق موسى زيتاوي
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

فلسطين ليست مجرد قطعة من الأرض، بل هي قلب الأمة النابض ومهوى أفئدة المؤمنين، ومسرى نبيّهم الكريم ﷺ، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. إنها الأرض التي باركها الله في كتابه الكريم فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1].

تلك البركة لم تكن في ترابها فقط، بل في تاريخها ورسالتها ومكانتها بين الأمم. فهي أرض الأنبياء والرسل، مرَّ بها إبراهيم الخليل عليه السلام، وسكنها يعقوب ويوسف، وبُعث فيها عيسى عليه السلام، ومنها عرج النبي محمد ﷺ إلى السماوات العُلا ليلة الإسراء والمعراج. إنها الأرض التي التقت فيها الرسالات السماوية، فصارت رمزًا للوحدة الإيمانية ومهدًا للحضارة والروح.

لقد ارتبطت فلسطين بالعقيدة الإسلامية ارتباطًا وثيقًا، فهي ليست قضية قومية أو سياسية فحسب، بل قضية إيمانية ووعدٌ ربانيٌ صادق. وعد الله بها عباده المؤمنين الصالحين، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].

وهذا الوعد الإلهي لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن أن يُلغيه ضعف أو احتلال، لأن كلام الله حقٌّ لا يتبدل ولا يتغير. قد تمرّ الأمة بسنوات من الابتلاء، وقد تضعف قواها المادية، لكن جذوة الإيمان تبقى متقدة في القلوب، تحمل الأمل في فجر جديد ونصر قريب.

إن فلسطين اليوم، رغم ما تعانيه من عدوانٍ واحتلالٍ وتشريد وقتل وأسر، ورغم أن ترابها رُوي بدماء أبطالها وقادتها في غزة والضفة، لا تزال صامدة بأهلها وأبطالها، يقدمون للعالم مثالًا نادرًا في الصبر والثبات والإيمان، مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك”. فما من بيتٍ فيها إلا ويدفع ضريبة الانتماء، وما من طفلٍ إلا ويحمل بين عينيه حكاية وطنٍ لا يُنسى. ومع كل جرحٍ جديد، يزداد الشعب الفلسطيني إصرارًا على البقاء والتمسك بحقّه في أرضه ومقدساته.

لقد حاول المحتلون طمس هوية هذه الأرض المباركة، وحرمان المسلمين من حقهم في المسجد الأقصى، لكنهم فشلوا في ذلك، لأن وعد الله أقوى من ظلمهم، وإرادة المؤمنين أعظم من جبروتهم. وما دام في الأمة من يرفع راية “لا إله إلا الله”، فلن تُنسى فلسطين، ولن يُنسى الأقصى، وسيبقى الوعد الإلهي بالنصر قائمًا حتى يتحقق. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9].

واسألوا التاريخ يحدّثكم عن الصليبيين كم طال احتلالهم لهذه الأرض، ثم جاءت حطين ومعها ثلة مؤمنة بقيادة صلاح الدين أنهت سنين القهر وأعادت الأقصى إلى حِمَى الإسلام. ثم سلوه عن التتار وكيف وقف المظفر قطز وسط جيشه في عين جالوت وصاح فيهم: “واإسلاماه!” فكانت الغلبة له ولجيشه، وهذا كله ببركة هذه الأرض.

وما زالت بركات هذه الأرض تتجلى في هذا الطوفان المبارك الذي أحيا في الأمة روح الجهاد وحب التضحية، فوحّد الله به كلمة المسلمين وأعاد الحياة لهذه القضية المباركة والأرض المباركة. فهذا الطوفان هو امتداد لوعد الله تعالى لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين، ووعده لا يسقط بمرور السنين، بل يزداد يقينًا في القلوب الصادقة.

إن فلسطين ليست مجرد أرضٍ مباركة، بل رمز للإيمان والثبات والصبر ومهوى لأفئدة المؤمنين، هي خيرة الله من أرضه. إنها وعد إلهي خالد، سيبقى ما بقي في هذه الأمة من يقول: “الله أكبر”، ويضحي بنفسه وماله وولده. وسيرى العالم يومًا قريبًا بإذن الله أن الباطل زائلٌ لا محالة، وأن الحق باقٍ لا يزول، وسترتفع الأصوات بترديد آيات الله تعالى وسنردد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. وسيكتب التاريخ بمداد من نور أن الله تعالى بارك ورفع قدر كل من ضحى ويضحي لأجل أن تبقى فلسطين إسلامية مباركة.

تصنيفات :