
الحمد لله الذي جعل الصبر طريقًا للثبات، والجهاد في سبيله سببًا لرفعة الدرجات، وجعل المرأة شريكة في صيانة الأرض والدين، وأمر بالرباط والثبات والدعوة إلى الحق. والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، رسول الله الذي بفضله يزهر الإيمان، ويُكتب الصابرون والمجاهدون في سبيل الله من أعلى الدرجات.
منذ احتلال فلسطين، تولّد ثغرٌ جديد يهدد الأمة الإسلامية، فالرباط عبادة متجددة ترفع صاحبها في مدارج الإيمان، إذ يجمع بين صدق النية وعظم الغاية، وتحمل الأذى في سبيل الله. هذه المقامات العالية لا يُدرِكها إلا من أدرك عظمة الثغر، ومن باع دنياه لله وارتضى أن يكون حارسًا. فالرباط عبادة عظيمة، تجمع بين المقام الإيماني والموقف الجهادي، ولا يقوم على هذا الثغر إلا من استشعر وعظَّم في قلبه قدر الأجر، وصدق التوجه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فجعل الرباط ذروة مدارج الفلاح، مقرونًا بالصبر والمصابرة والتقوى.
لقد كانت المرأة المسلمة ولا تزال شريكة في ميادين العز والتمكين، ولها في الرباط والاعتكاف والدفاع عن المقدسات سجل مشرّف يضيء صفحات التاريخ. وفلسطين، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى – أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم – محطٌّ للفتن والابتلاءات، وساحة لصراع الإرادات في زمن التواطؤ والصمت والخذلان. وهنا، أصبحت المرأة المرابطة شارة الحق، تذود عن أقصاها بوجودها، بعلمها، بصوتها، بصبرها وحضورها، فكان لرباط النساء فيه شأن عظيم.
قال ابن مرزوق التلمساني: “الرباط عبارة عن احتباس النفس في الجهاد والحراسة، فهو من أفضل الطاعات وأجل القربات التي يدفع الله بها عن المسلمين الشرور الكثيرة، وتتحقق بها المصالح العظيمة”. وقال ابن النحاس في كتابه: “الحراسة في سبيل الله هي أفضل أنواع الرباط، وكل من حرس المسلمين في موضع يخشى عليهم فيه من العدو فهو مرابط، فللحارس في سبيل الله أجر المرابط وفضائل كثيرة”. وقال في فتح الباري: “الرباط هو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار وحراسة المسلمين منهم”.
وقد وردت في فضله نصوص كثيرة من القرآن والسنة تبين عظيم أجره ورفيع منزلته، قال الحق عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فقد قرن الله بينه وبين الجهاد، حتى عُدّ من أعظم القربات وأجل الطاعات، لما فيه من نفع متعدٍ واستمرار في الثبات في مواطن الخطر، وحراسة الثغور، ودرء العدوان عن ديار المسلمين، مما يجعله من الواجبات الكفائية عند تحقق شروطه.
في زمن اشتدت فيه الهجمة على المسجد الأقصى وتكالب عليه الأعداء، كان لزامًا على الأمة الإسلامية، رجالها ونسائها، الوقوف على ثغورها، والاضطلاع بمسؤوليتها تجاه هذا الثغر العظيم، امتثالًا لقوله صلى الله عليه وسلم: “رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها”.
ومن الدواعي التي تحتم على النساء الرباط في الأقصى: جوانب شرعية، وواقعية، وإعلامية، وتاريخية، وجهادية. فالحالة المقدسية اليوم تتلخص بما يتعرض له المسجد الأقصى من اقتحامات وتدنيس من المستوطنين، وما يتعرض له المقدسيون من التنكيل والتغييب القسري وإبعادهم عنه، فهذا يستدعي ضرورة تواجد المرأة للرباط فيه. قالت عائشة رضي الله عنها: “النساء شقائق الرجال”.
ولأن الحراسة رباط والرباط من توابع الجهاد، والمسجد الأقصى من الثغور العظيمة، التي يخشى منها العدو بأرض الإسلام، ومن الثغور التي تعد أشد خوفًا وكَلَبًا. وفي ظل غياب الرجال نتيجة الاعتقالات والسياسات الاحتلالية الممنهجة لتفريغ المسجد من المرابطين، صار وجود المرابطات ضرورة شرعية قصوى لصد الاقتحامات وسد الفراغ، ونشر الوعي التربوي والإيماني.
ولأن المسجد الأقصى يتطلب النفير العام عند هجوم العدو على كل القادرين رجالًا ونساءً، يتعين على النساء كما الرجال الرباط فيه، فتواجد المرابطات في الوقت الذي تعذَّر دخول الرجال قسرًا صار ضرورة وشرعية قصوى في صد الاقتحامات وسد الخلل والفراغ الذي أحدثه الاحتلال في ذروة الاقتحامات، وتواجدهن له دور كبير وفعال في صد الاقتحامات، ونشر الوعي التربوي والإيماني.
في غزة، حيث ينهش الحصار الشوارع والبيوت، وتتابع القصف، تظهر المرأة الفلسطينية حامية الحمى صابرة محتسبة. فكل امرأة تقوم بالدور التربوي والديني، وتحرس الأرض، وتزرع الأمل في القلوب، ويصدحن النساء بصوت الحق في وجه العدوان. إنهن صانعات الصمود، حاملات الرباط، مرابطات في سبيل الله، نساء غزة: حارسات الصبر في زمن الطوفان. لم يكن دور المرأة مختفيًا في الحرب، بل كانت في عمق المواجهة، في بيتها، ومدرستها، وميدانها، هي التي تواسي الجرحى، وتُعلّم أبناءها الثبات، وتعدّ جيلًا يتعاهد القرآن ويتوارثون الثغور ليكونوا في ميادين الجهاد.
في طوفان الأقصى تجسدت مشاهد، فحين تدكّ الطائرات البيوت، تخرج من تحت الركام مؤمنة بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، صابرة محتسبة، فكانت تبايع الله في نفسها وبيتها وأولادها وكل ما تملك فداءً لله ورسوله ونصرة للإسلام والمسجد الأقصى. وتلك الصفقة مربحة، وجسدت المرأة صبرها وتلك التجارة لما جاء في سورة الصف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [الصف: 10-13].
فالمرأة الغزية ما زالت تجسد معنى الصبر الحقيقي والإباء والحراسة، وتثبت أن غزة باقية رغم الحروب، وتجسد ذلك بقاء أكثر نساء غزة في الشمال وعدم نزوحهن. قال ابن مرزوق التلمساني: “الرباط عبارة عن احتباس النفس في الجهاد والحراسة”. وقال الشيخ الرصاع رحمه الله تعالى: “الرباط المقام حيث يخشى العدو بأرض الإسلام لدفعه”، وزاد عن الباجي: “ولو بتكثير السواد”. وعرّفه ابن تيمية بأنه: “المقام بمكان يخيفه العدو ويخيف العدو، فمن أقام فيه بنية دفع العدو فهو مرابط والأعمال بالنيات”. وعرّفه ابن عاشور بأنه: “رَبْطُ الخيل للحراسة في غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدو”. فبقاؤها وعدم نزوحها وصبرها على فقد ملذات وأساسيات الحياة، وفقد أبنائهن وأسرهن وحراستها لأرضها، ذلك بمقام جهاد الدفع.
في مدن الضفة وقراها، حيث يشتد الحصار وتُغلق الطرق، تبقى المرأة الفلسطينية حارسة الأرض برباطها وجهادها، تجمع بين الحراسة الميدانية والفكرية، فتكون في الميدان حضورًا وصبرًا وإغاثة، وفي البيت والتربية وعيًا وإيمانًا وثباتًا. تجاهد بنفسها في الثبات على الحق، وبيدها في خدمة الميدان ومساندة المرابطين، وبمالها في الإنفاق والإعانة، وبلسانها في الدعوة والإصلاح ورفع الكلمة الطيبة.
فهي تؤدي واجبها الشرعي في حفظ الأرض والعرض والدين، وتجسد صورة الرباط الحق في ميادينه كلها، لتثبت أن المرأة في الضفة ليست شاهدة على الصمود فحسب، بل شريكة في صناعته وحارسة لثغوره بوعيها وعملها ورباطها في سبيل الله وحراستها وجهادها ميدانيًا.
فتواجد المرأة الفلسطينية في ميادين العز وفي ساحات المسجد الأقصى والضفة وغزة من خلال رباطها وتصديها لهجمات المستوطنين، وتشبثها بأرضها، وتوثيقها إعلاميًا لما يحدث، يجسد الصورة الحية للمرأة المسلمة المرابطة المدافعة عن أرضها ومقدساتها. ويعزز هذا الوعي الإسلامي ويستنهض الأمة للعودة إلى رشدها، ويلهم الأجيال الصاعدة بقيمة الدفاع عن المقدسات، من خلال القدوة النسائية المؤمنة المرابطة الصابرة. ورباط النساء اليوم برز في مشهد العز والإباء والنّصرة، لقد جسّدن معنى قوله تعالى: ﴿وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
على أرض فلسطين المباركة، من غزة المحاصرة إلى الضفة، وصولًا إلى القدس والمسجد الأقصى الشريف، تقف المرأة الفلسطينية شامخة حارسة، مرابطة على الأرض، صابرة محتسبة. إنها ليست مجرد امرأة، بل رمز حي للثبات، وجدار منيع ضد الظلم، وشعلة نور للأجيال القادمة.
تصنيفات : قضايا و مقالات