الاقتصاد المرابط.. ضرورة لابد من الحفاظ عليها، أ. أحمد يوسف ضميري
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

عند البحث عن عنوان الاقتصاد المرابط في الذكاء الاصطناعي أو محركات البحث الاجتماعي فإن النتائج التي تخرج لك تحدثك عن الاقتصاد المرابطي، الذي يشير إلى اقتصاد الدولة المرابطية (1040-1147م) التي سيطرت على طرق التجارة الصحراوية وشملت المغرب والأندلس!!

إنما التعريف الحقيقي لها بعيد عن ذلك…

فالاقتصاد المرابط، يقصد به: الأنشطة الاقتصادية من تجارة وزراعة وصناعة للبلد المرابطة (التي تقع تحت الاحتلال المباشر من قبل العدو، أو أنها على حدود العدو) وتتعرض إلى هجمات منه.

وهو موضوع لا يتم التطرق إليه بكثرة، لذلك سأتحدث عنه بإيجاز؛ أرسي به قواعد الموضوع.

إن الرابط يحقق لصاحبه الأجر العظيم ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه (2892) من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “رِبَاطُ يَومٍ في سَبيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا، ومَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عَلَيْهَا”. والرباط لا يعني فقط الجلوس صامتاً أو حارساً على الحدود، بل يمتد الرباط وأجره إلى نشاط كل انسان من تجارة وصناعة وزراعة في بلد الرباط.

فإذا كان نشاط الانسان اليومي العادي له فيه أجر، لما أخرجه البخاري في صحيحه من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ”. فما بالك بنشاط الإنسان المرابط الذي يعاني من منغصات الاحتلال ومضايقاته. فلابد أن يكون أجره أعظم من أجر الانسان العادي؛ فالأجر على قدر المشقة كما أشار النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك.

بل والذي يتمعن في معاني الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، سيجد أن الاقتصاد المرابط نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، فقد قال الله تعالى: } ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{ (سورة التوبة: 120).

فالاقتصاد في بلد مرابط يتعرض للتدمير والتضييق، كإغلاق الاحتلال للمحلات التجارية وقصفها ومراقبتها، ففي النشاط الصناعي: يضيق الاحتلال على التجار استيراد المواد الخام أو تصدير صناعاتهم، وفي الزراعة: تتمثل اعتداءات الاحتلال بالتحكم في المياه وما يستخرج من الآبار، والاعتداء على الشجر، وهذا ما نشهده اليوم من اعتداءات كثيرة للمستوطنين على شجرة الزيتون من سرقة لشجره أو ثمرته أو حرق شجره. ناهيك عن شهداء لقمة العيش، الذين يلقون حتفهم وهم ذاهبون للعمل أو في عملهم بسبب الاحتلال.

وفي الحروب يسعى الاحتلال إلى سحق الحياة الاقتصادية في البلد المرابط؛ لأنه المقوم الأساس للإنسان المرابط، فمن دون اقتصاد يصبح الرباط معجزة. وهذا ما يحدث وحدث في غزة أكبر مثال لذلك، فقد كُتب في موقع “الجزيرة نت” مقالاً جاء فيه: “تكبد اقتصاد قطاع غزة خسائر فادحة خلال العامين الماضيين، قدرها المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بنحو 70 مليار دولار، وهي فقط الخسائر المباشرة الأولية لـ15 قطاعا حيويا. وأوضح تقرير سابق صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو 90% من البنية التحتية في القطاع دُمّرت بعد مرور 700 يوم على الحرب المستمرة. ولحق الدمار بمختلف القطاعات الاقتصادية”.

لذلك فإن دعم المرابطين ودعم اقتصادهم واجب وضرورة دينية؛ للحفاظ على رباطهم، وللحفاظ على إسلامية هذه الأرض المباركة التي يرابطون عليها. ودليله ما أخرجه أبو داود في سننه (457) عن ميمونة مولاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: “يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟  فقال: ائتوه فصلوا فيه وكانت البلاد إذ ذاك حربا فإن لم تأتوه وتصلوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله”.   

وهو أمر نبوي أُعطيَ لمن لا يستطيع الوصول إلى بيت المقدس للصلاة فيه. و”الإسراج” هو إيقاد السراج (المصباح أو القنديل) بالزيت. فهذا أول واجب ينبغي على المسلمين الحرص عليه، وهو الدعم والتبرع لأهل فلسطين. والأكمل أجراً تخصيص الأغنياء من المسلمين مبلغاً شهرياً لدعم فلسطين والقدس وأهلها. وعليهم أيضاً الاعتناء بفتح المشاريع ذات رأس المال الكبير، ويفضل أن تكون شركات مساهمة عامة ولا يقصد الربح منها كهدف أساس، إنما القصد هو تشغيل أكبر عدد من الفلسطينيين، وتقديم بضاعة ذات جودة عالية، والاستغناء عن مشاريع الاحتلال.

كما ينبغي عمل صناديق ائتمانية مربوطة بالخارج، ومشاركة أصحاب المشاريع الكبيرة والمتوسطة فيها؛ لتعويضهم عن أي اعتداء أو كارثة أو مصادرة أموال تحصل لهم من قبل الاحتلال.

ومع ذلك، يجب التنبيه إلى نقطة مهمة، أن ليس كل اقتصاد في أرض الرباط، هو اقتصاد مرابط يثاب عليه صاحبه. فالعمل بالمنكرات والمحرمات، أو الغش أو الغبن أو اللعب في الميزان، سلوكياتٌ تخرج عمل صاحبها من أجر الرباط. ومن المواضيع التي تحدث فيها كثير من الفقهاء وهي تندرج تحت عنوان الاقتصاد المرابط، هو “الاتجار مع الحربيين”. فقد أفتى الفقهاء –كما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية- بجواز الاتجار مع الحربيين (مع الاحتلال)، شريطة: عدم جواز إمدادهم (أي: المحاربين) بما يقويهم من السلاح والآلات والمواد التي يصنع منها السلاح، كما لا يجوز بيع الأرض للحربيين فهي أرض رباط ووقف، وأيضاً لا يجوز السماح بالاتجار بالمحظورات الشرعية كالخمور والخنازير وسائر المنكرات، لأنها مفاسد ممنوعة شرعا.

فعلينا أن نحافظ على اقتصاد المرابطين، لاسيما في فلسطين، فهذا امتحانٌ علينا النجاح فيه. قال تعالى: }قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ{ (سورة الأعراف:129).

تصنيفات :