مَن يغرس شجرة لا يرحل، أ. أشرف وديع سعد
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

الحمد لله رب العالمين، ناصر المستضعفين، وولي المتقين. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد الأولين والآخرين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد:

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة إبراهيم: 24-27].

لقد كانت الشجرة في القرآن الكريم مثلًا يضربه الله، إما للثبات والبركة، وإما للخبث والوهن في المقابل.

فمن تعلقت روحه بربه، وكان لسانه ذاكرًا لله، وقلبه متعلقًا به، يحب موطنه الذي اختاره الله له، فإن أكثر ما يربطه بأرضه هي الشجرة. عاش معها ذكرياته، يسقيها في الحر، ويعتني بها، ويحرسها، فهي تعزز وجوده، وهي مباركة كالتين والزيتون، إذ أقسم الله بهما لعظم شأنهما: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾.

وإذ بأعداء الإنسانية إن أرادوا أن ينزعوا منا حبنا وتعلقنا بأرضنا المقدسة، فإن أول ما يقتلعونه ويمنعوننا منه هو هذه الشجرة، وقطف ثمارها الطيبة، التي لنا معها قصص وحكايات ولحظات عابرة وتأملات جميلة قد حُفرت في الوجدان والأذهان.

في المقابل، الشجرة الخبيثة التي تُجتث من فوق الأرض ولا رسوخ لها، هي عارضة في طريق البشر، لا ثمرة منها، ولا يُستظل بظلها، وهي طارئة لا يرغبها الناس، لا يأكل من ثمرها المُر إلا الغراب، ولا يستظل بظلها إلا الثعالب الضالة والذئاب، حتى يقول الناس عنها ما قاله الشاعر في الجاهلية:

لا أَذودُ الطَيرَ عَن شَجَرٍ… سُقِيَت بِالمَرِّ مِن ثَمَرِه!

وهو حال المحتلين المستعمرين اليوم؛ فمهما حاولوا زرع كيانهم على رقابنا وحقوقنا وفي تراب قد روته دماء الشهداء الزكية، إلا أن الأرض تلفظهم ولا ترضى بهم.

ولما قيل لأحد الحكماء عن حال هذا المحتل وسارق الأرض أنه يتمدد بسرعة، أجابهم بهذه الآية، ممثلًا بمثلٍ حسي واقعي قائلًا: “كم يحتاج شجر السرو الذي ينبت في ربوع بلادنا دون عناية من أحد، ويتحمل برد الشتاء وحر الصيف، وينمو بين الصخور العاتية، حتى يشتد عوده؟”

فرد المسؤول قائلًا: “سنين طويلة، ما أطولها!”

فقال الحكيم: “أرأيت لو أنك زرعت بجانبه شجرة متسلقة مروية ويُعتنى بها، كم تحتاج لوقت حتى تلتف على شجرة السرو وتعلُو فوقها؟”

فقال المسؤول: “بضعة أشهر تكون قد التفت على السروة، وعلى ما بجانبها كذلك”.

فقال الحكيم: “أرأيت لو جاءت عاصفة وريح عاتية، من الذي سيصمد؟”

فرد المسؤول قائلًا: “طبعًا سيبقى السرو، وتتطاير وتتساقط النباتات المتعلقة!”

فقال الحكيم: “الأمة إذا توحّدت، والشعوب إذا تكاتفت، فحالها كحال شجر السرو، والمحتل والمستعمر مهما استعلى فهو كالشجر المتسلق يهوي مع أي صحوة ونهضة للأمة”.

فلذلك حثنا المصطفى صلى الله عليه وسلم على زراعة النبتة الطيبة حتى لو قامت الساعة بقوله: “إن قامتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ، فإن استطاعَ أن لا تقومَ حتَّى يغرِسَها فليغرِسْها”. فاختيار ذلك الأمر في آخر يوم في الدنيا، لعظم أمره.

أما نحن الذين خلقنا الله على هذه الأرض المباركة فقد قال فيها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.

ووصى النبي صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام: “عليك بالشام فإنها خيرة الله في أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده”. (رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح).

نحن على هذه الأرض المباركة شجرة راسخة باسقة، ثمرها للطائعين، وشوكها للطامعين. ونحن كالشجر، إن رماها المُحبون بالحجر تساقطت بالثمر، وإن رماها العدو بالحجر رجمته بالشوك الأمَرّ.

شجرة طيبة، حنينها لأرض قد حملتها واحتضنتها وحمتها من كل طير جارح، ومن كل مرض جامح. قد كتب الله لها الثبات رغم الرياح العاتية، والحرارة العالية، والسيول الهامية. هي مغزى لكل مقارع للمحتلين، ومقبرة للغاضبين.

فكانت بلادنا البلاد الطيبة، ومَن غزاها فهو الخَبَثُ المُجتَثُّ الذي لا قرار له: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.

ونسأل الله الثبات حتى الممات، وأن نكون كالشجرة الطيبة التي لا ينقطع خيرها عن الطيبين، ولا ينعدم ظلها عن السائرين.

تصنيفات :