الأرضُ المقدَّسَة.. وواجب الثبات، أ. غيظان أبو خالد
نوفمبر 1, 2025
للمشاركة :

بِسْمِ اللهِ، والحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ الله ﷺ.

عن كثيرٍ من الكلام يُغني قولُ الرسول ﷺ: «يا طوبَى للشَّام، يا طوبَى للشَّام، يا طوبَى للشَّام! تلك ملائكةُ الله باسِطَةٌ أجنحتَها على الشَّام». تلك هي أرضُ الأنبياء فيها سبَّح الطيرُ والجبالُ مع داود، وسُخِّرتِ الريحُ والجنُّ مع سليمان، ورُزِقت فيها مريمُ فاكهةَ الشتاء في الصيف، وفاكهةَ الصيف في الشتاء. هي الأرضُ المقدَّسة، ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾، وهي الأرضُ المبارَكة، ﴿وَنَجَّيْنَا لُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، فاضت بركتُها على مَن حولَها، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾. كلُّ نبيٍّ في زمانِه، كانت القدسُ من مسؤولياتِه، وكانت لمن تبع دينَ الله وقام بشرعِه وحكم بحكمه. ﴿إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ یُورِثُهَا مَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَـٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِینَ﴾. ولأمرٍ ما أراد الله أن تلتقي السماءُ بالأرض في تلك البقعة المباركة، وقف النبيُّ ﷺ إمامًا بالأنبياء في مشهدٍ عظيمٍ لا يتكرَّر، وكأنَّ الله جل وعلا يقول: يا محمدُ، قد سلَّمناك قيادةَ الأرض! تلك الإمامةُ جزءٌ من تكوين مفهومِنا الإسلامي، فقد عرج النبي ﷺ إلى السماء من المسجد الأقصى، ليصبح الأقصى قضيةً متمركزةً في عمق عقيدتِنا، ومِن موروثاتنا والأماناتِ التي تلقيناها كابرًا عن كابر، مِن رسولِ الله ﷺ.

أرسل النبيُّ ﷺ إليها أربعةَ جيوشٍ وتاقت قلوبُ الصحابة لضَمِّها تحت راية الإسلام، ولم تُفتحِ القدسُ في عهد النبي ﷺ لتَعْلَمَ الأمةُ أنَّها مسؤولةٌ عن المسجد الأقصى كما كان نبيُّها ﷺ، وأنَّ المسؤولية ممتدة في أعناق الأمة جيلاً بعد جيل.

فرحل الصحابة إلى بلاد الشام لما سمعوا وصية الرسول عليه الصلاة والسلام: «وإن أفضل رباطكم عسقلان». ودُفن فيها أكثرُ من خمسين ألفَ صحابي، انتشروا يُبلِّغون دينَ الله. وفيها مدافنُ التابعين كالأوزاعيِّ، والثوريِّ، والزُّهريِّ، والمقدسيِّ.

قال الشافعيُّ رحمه الله: «واللهِ إنِّي لأحبُّ الاعتكافَ في المسجد الأقصى»، فقيل له: أليست مكَّةُ أفضل؟ قال: «أعلمُ، ولكني أريد أن أستشعر وجودَ الأنبياء مجتمعين». وقال مقاتلُ بنُ سليمان: «ما فيها موضعُ شبرٍ إلا وقد صلَّى فيه نبيٌّ مُرسَلٌ أو مَلَكٌ مُكرَّم».

ومهما كان لا تستطيعُ قوَّةٌ في الأرض مهما بلغت أن تُغيِّر آيةً من كتاب الله، وستظلُّ سورةُ الإسراء تُقرأ في المحاريب والمنابر، آياتها تهمس فينا: “اثبتوا، فأنتم الوارثون”؛ فالثباتُ على هذه الأرض ثباتٌ على العقيدة، وحفاظٌ على ميراثِ الأنبياء.

تصنيفات :