
الحمدُ للهِ الكريمِ في عطائه، العظيمِ في آلائه، الواسعِ في فضله، الذي بارك في الصدقات، وجعلها سببًا لدفع البلاء، ورفع الشدائد عن عباده. والصلاة والسلام على الحبيب النبي، أجوَدِ الناس صدرًا، وألينِهم عريكة، وأصدقِهم لهجة، وأكرمِهم عِشرة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام، أما بعد:
الإسلام دينٌ عظيم، لا يدَع قلبًا حائرًا أمام ضائقة، ولا يتركُ مجتمعًا تائهًا أمام نازلة، يقدّم لكل مشكلةٍ حلًا، ويرسم لكل نازلةٍ مخرجًا، ويجعل لكل مِحنةٍ مِنحةً.
وفي خِضَمِّ الحياة وتقلباتها، والجراح وتكاثرها، والمِحَن وتعاظمها، فرديةً كانت أم مجتمعية؛ يَشعُّ من بينها نورٌ من أنوار هذا الدين العظيم، يُعيد للحياة حقيقتها، وللمجتمعات روحها، وللأمم تماسكها. إنه الصدقة.
ولا يخفى على أحدٍ ما عاشته غزة وأهلها على مدار أعوامٍ من الابتلاءات المتنوعة، والمحن المتعاظمة، والخيام المهترئة التي لا تقي من الحر والبرد، ولا تحمي من المطر، حتى صار ليلُها نهارًا من القصف وشدّته، والنسف وقوّته، ولهيبِ الصاروخِ الحارقِ للخيام والقلوب، الذي يسبق الانفجار ويشهد على الظلم. كما صار نهارهم ليلًا لا ينتهي، فلا أمنَ ولا معنى للحياة وقتئذٍ، وهكذا.
فكانت الصدقة عليهم واجبًا عظيمًا، دينيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا، بل تفوق العباداتِ التَّنَفُّلِيّة كالحج النافلة أو العمرة التطوعية فضلًا ومكانةً، وهي من أعظم سبل المواساة ورفع المعاناة.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مَثَلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحمّى» (رواه مسلم).
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ المؤمنَ للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا» وشبّك أصابعه (رواه البخاري ومسلم).
وقد ضرب القرآن الكريم أعظم الأمثلة في الصدقة، ومن أبرزها قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261].
يشاهد العبدُ المضاعفةَ ببصيرته كما يشاهد ذلك المَثَلَ ببصره. والمضاعفة الجزيلة تكون بحسب حال المُنْفِق، وحِلِّها، ونفعها، ووقوعها، وموقعها، كما ذكر السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية.
وقال ابن كثير رحمه الله: «وهذا المَثَلُ أبلغُ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة يُنمّيها الله عز وجل لأصحابها، كما يُنمّي الزرعَ لمن بذره في الأرض الطيبة».
فأعظمُ الصدقةِ اليوم ما كانت سهمًا يَصنعُ عمرانًا، أو يُؤوي نازحًا، أو يخلُفُ مقاومًا في أهله، أو يَشُدُّ ظهرًا، أو يَجبرُ كسرًا، أو يَكفُل يتيمًا، أو يُعينُ أسرة. فهي جبهةٌ تحمي الجبهة، وتصنع مجتمعًا قويًا لا تهزمُه حرب ولا يُضعفُه حصار، وهي إعلانُ بقاءٍ وثبات.
فالصدقة ليست مجردَ مالٍ يُنفَق، أو طعامٍ يُطعَم، أو كساءٍ يُكسى، أو دواءٍ يُقدَّم؛ بل هي صوتٌ يدعو إلى العِمارة والمقاوَمة: عمارةِ القلوبِ المُنهَكة، والأنفسِ المتعبة، والأرضِ التي عمل أعداء الأمة على إعدامها، والبنيانِ الذي هُدِّم.
وفي الوقت نفسه فهي صوتٌ للمقاومة، يُثبت به أهلُ الأرض على أرضهم، ويصمد به المحاصَر، وتُعين به مجاهدًا، وتنصر ضعيفًا، وهي سِمةُ خيرٍ لا ينقطع، همسةٌ حضارية تقول: «ما زال في الحياة حياة».
فالمتصدق اليوم شريكٌ في الذود عن حياض الأمة، وسببٌ لثبات صاحب الحق على أرضه. ويمكن أن نلمح هذا المعنى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإنَّ الله عز وجل ليُدخِلُ بالسهم الواحد ثلاثةً الجنة: صانِعَهُ مُحتسبًا فيه، والمُمِدَّ به، والراميَ به» (رواه الطبراني، والحاكم، وقال: صحيحٌ على شرط مسلم).
بل بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من شارك في تجهيز مجاهد، أو خلَفَه في أهله خيرًا، فهو في الأجر سواء؛ كما في حديث زيد بن خالد رضي الله عنه: «مَن جهّز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلَف غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا» (صحيح البخاري).
فمن يُطعِم لقمةً، أو يُساهم في علاج، أو يُقدّم بطانيةً تقي برد الشتاء، مثلُه كمثل صانع السهم الذي لم يكن في الميدان، ولكنه كان شريكًا في الإعانة والنصرة والثبات.
فالصدقة والعطاء رسالةٌ مفادُها:
نحن هنا… نحن أصحابُ الحق.
تصنيفات : قضايا و مقالات