
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (سورة آل عمران: 200). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها” (متفق عليه).
حين نستحضر هذه النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية، ندرك أن الرباط والبقاء في أرض الوطن ليس مجرد انتماء. فالآية الكريمة تأمر بالصبر والمصابرة والمُرابطة، فقوله تعالى: “وَرَابِطُوا” أي اثبتوا على ثغوركم واحموا أرضكم. فالمرابطة ليست فقط في ميادين القتال، بل هي أيضًا صبرٌ وثباتٌ وبناءٌ، وتمسُّكٌ بالأرض، وحفاظٌ على الهوية، وإصرارٌ على البقاء رغم التحديات والضغوط والخذلان. وأما قول رسولنا الكريم، فإنه يبين أن للمرابط في سبيل الله أجرًا عظيمًا يفوق الدنيا وما فيها، وأن عمله لا ينقطع حتى بعد موته، حيث قال صلى الله عليه وسلم: “كلُّ ميتٍ يُختَمُ على عملِه إلا الذي ماتَ مُرابطًا في سبيل الله، فإنَّه ينمو له عملُه إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر” (رواه الترمذي). مما يدل على شرف هذا المقام ورفعة منزلته عند الله. وكثيرة هي الأحاديث التي ذكرها رسولنا الكريم في فضل الرباط وأجر المرابط، وهذا يجعل من البقاء في أرض الوطن وحمايتها واجبًا دينيًا وأخلاقيًا ومسؤولية على جميع المسلمين.
وفي فلسطين، يظهر معنى الرباط بأبهى صوره، كيف لا وهي أرض الرباط، ومَهبط الأنبياء، وموطن القداسة، فيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. في كل حجر من هذه الأرض قصة وعبرة، وفي كل زاوية ذكرى للنبي صلى الله عليه وسلم ومَن سار على نهجه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عليكم بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جِهَادِكُمُ الرِّبَاطُ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رِبَاطِكُمْ عَسْقَلَانُ” (رواه الطبراني). وقال ابن عباس رضي الله عنهما: “قلتُ يا رسول الله ﷺ: إن ابتُلينا بعدك بالبقاء، أين تأمرنا؟ قال: عليك ببيت المقدس، فلعلّه أن ينشأ لك ذرية يغدون إلى ذلك المسجد ويروحون” (رواه الإمام أحمد). فنستدل من هذه الأحاديث النبوية الشريفة على مدى اهتمامه صلى الله عليه وسلم بنصح أصحابه ومَن بعدهم من المؤمنين من أمته بأن يسكنوا الشام وفلسطين وأن يأووا إليها عند اشتداد الخُطوب والمحن ونزول البلاء والفتن، فسيجدون فيها الأمن والطمأنينة والإيمان في أرضها وبين أبنائها، وستكون حينئذٍ خيرًا للمؤمنين من أي أرض غيرها.
إن الرباط في أرض فلسطين يتجسد في صمود الأهل والثبات على الأرض رغم التحديات والاحتلال. فالمرابط في هذه الأرض يواجه التحديات بكل أشكالها: الاحتلال، الحصار، الاعتداءات، والصعوبات المعيشية، والخذلان. ومع ذلك يثبت على الأرض ويصبر على المشقة، وحينها يصبح الرباط هنا رمزًا للهوية والدفاع عن حق الأجيال القادمة. فكل خطوة على هذه الأرض، وكل لحظة صبر على المِحَن، هي امتداد لهذا المعنى العظيم للرباط الذي أراده الإسلام: الثبات والدفاع عن الأرض والحق والكرامة.
وإن كل هذه التحديات في الرباط ما هي إلا ابتلاء للمؤمنين، وهذه سنة الله تعالى في ابتلاء المؤمنين في الحياة الدنيا؛ ليفوزوا بثواب الصبر على البلاء الذي يقود إلى واسع رحمة الله في الآخرة، ويحقق العزة والظفر لهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139).
وقد كان ثبات أهل فلسطين وصمودهم واضحًا في مختلف المواقف الصعبة، فقد تجلّى ذلك في الحرب الأخيرة على غزة، حيث صمد الأهالي رغم القصف والتدمير، وتمسكوا بأرضهم ووطنهم بكل عزيمة وإيمان. كما ظهر الصبر والرباط في مواجهة اعتداءات المستوطنين على المزارعين في موسم الزيتون، حيث يواصل المزارعون عملهم في الأرض رغم المخاطر، محافظين على محاصيلهم وعلى حقهم في أرضهم. إن هذا الثبات يعكس صلة الأرض بأهلها وامتداد الرباط الذي أمر الله به ونبّه إليه النبي ﷺ، ليكونوا حراسًا للهوية والدين والأرض المباركة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس” (رواه الإمام أحمد).
إن البقاء على أرض الوطن هو أعظم صور الوفاء والانتماء والشجاعة، وهو أسمى درجات البطولة. فصمود أهل فلسطين في وجه الاحتلال والاعتداءات، ورباطهم في ثغورها ومساجدها وحقولها، ليس مجرد مقاومة عابرة، بل رسالة حياة وكرامة وتاريخ، ويجعل من كل فلسطيني صامد على أرضه رمزًا للصبر والإيمان والإرادة التي لا تنكسر. فالبقاء في فلسطين هو شرفٌ وواجب وعبادة، ودليل على أن الأرض التي يحبها الله تبقى لأهلها المخلصين، مهما اشتدت المِحن وارتفعت التحديات.
تصنيفات : قضايا و مقالات